كتاب "فقه التَّعايش في السيرة النبويّة"، للشَّيخ حسين علي المصطفى، صادر
عن المركز الإسلامي الثقافي، مجمع الإمامين الحسنين(ع)، في طبعته الأولى
العام 2014.
يتحدَّث المؤلّف في مقدّمة الكتاب عن الرّحمة المبعوثة إلى العالمين،
ألا وهي الرّسول(ص)، كقدوة كرّست تعاليم السماء قولاً وعملاً وسلوكاً،
والتي ينبغي تمثّلها في حياتنا، فيما ـ للأسف ـ يستغلّ البعض الناس عبر
كلمات وخطابات فارغة تسلبهم روحهم ومشاعرهم وعقولهم.. ويتابع الكلام عن
ضرورة تجديد الخطاب الإسلامي، الّذي يقرِّب ويوحِّد، وذلك بإرجاعه إلى
ينابيعه الصّافية؛ القرآن الكريم وسنّة النبيّ الأكرم(ص).
ويتناول الشيخ المصطفى موضوعاً حيويّاً، ألا وهو التقارب والتعارف والتعايش
بين الشعوب، على قاعدة الاحترام، والتقدير، وتبادل الخبرات، بغية تنمية
الحياة بوجه عامّ، فيشير إلى تأسيس النصّ القرآنيّ لمسألة التعايش في الاجتماع
البشريّ، والقائمة على قواعد الأمن، والتّسامح، والسّلم الأهلي، وتعزيز
السّلم والصّداقة بين الشعوب.. يقول تعالى:
{يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ
شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ
أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}[الحجرات: 13].
كذلك، فإنّ الرّسول(ص) شكّل الرّمز الَّذي جسّد بكلّ مصداقيّة وإخلاص
صيغة التعايش السلميّ بين النّاس، على اختلاف انتماءاتهم، وعبّر عن قيمة
الرحمة والتواصل في كلّ علاقاته الخاصّة والعامّة، بما يبرز أصالة القيمة
الأخلاقيّة والروحيَّة في التعارف بين الجماعات والشعوب، ونتائج كلّ ذلك
على سلامة المجتمعات البشريّة ونموّها.
يعرض الشَّيخ المصطفى لمفهوم التّعايش وأهميّته من الزّاوية الدينيَّة
الإسلاميَّة، وتأصيل هذا المفهوم على هدي القرآن الكريم وتعاليمه، الَّذي
يؤكّد التنوّع في الخصوصيّات الإنسانيّة، كمظهر من مظاهر إثراء الأمّة
وتطوّرها.
بعد ذلك، يأتي على ذكر ما في السيرة النبويّة الشريفة من معالم واضحة
وحيّة عكست روح الشريعة وصفاءها، لجهة تكريس مفهوم التّعايش واقعاً ملموساً
ومتحرّكاً في الواقع، لا مجرّد كلام وتنظير.. ومن ذلك، تعايش النَّبيّ(ص)
مع المجتمع في مكَّة المكرّمة قبل بعثته، وما مثّله حلف الفضول الَّذي
استحسنه الرّسول(ص) وأكّد أهميّته في تقوية التعايش، على أساس إنصاف المظلوم
واحترام الحقوق والعهود.
بعدها ما أحدثته فترة تعايش الرّسول(ص) في مكّة بعد البعثة، وتعامله
مع أهلها، واعتماده الأسلوب الأمثل للدّعوة إلى مكارم الدين والخلق، رغم
أذاهم له، ومحاربتهم إيّاه.
ويتعرَّض المؤلّف أيضاً لفترة تعايش المسلمين مع أهل الحبشة، والّتي
هاجروا إليها بعد استفحال أذى المشركين، والتّأكيد هناك أمام ملكها أهميّة
وحدة الأديان والرسالات وجوهرها الواحد والهادف إلى إرساء قاعدة التعايش
والاحترام بين كلّ الشّعوب، وضرورة إبراز نموذج الاندماج والتّواصل بين
النّاس.
وما يبرز أيضاً صنيعة الوحدة والتعايش والسِّلم، وتأكيد هذه العناوين
والمعاني، ما دلّت عليه وثيقة المدينة المنوّرة، التي أرسى من خلالها الرسول
الكريم(ص) أسس المساواة، وتعزيز الأمن الجماعي والتعايش السلمي.
كذلك، ما أظهره الرَّسول(ص) من فقه التَّعايش مع المنافقين وتعامله
معهم، كذلك مع المخالفين من اليهود وغيرهم، وصلح الحديبية، وتعامل الرّسول(ص)
مع أهل الكتاب خارج المدينة.
وأشار المؤلّف إلى رسائل النبيّ(ص) إلى الملوك العرب ورؤساء القبائل،
ورسائله إلى ملوك غير العرب، وتعامله مع الأسرى.
كتاب يسلِّط الضّوء على ضرورة إبراز الخطاب الإسلاميّ المعاصر والمنفتح،
في سبيل تعزيز التّعايش السّلميّ، وإرساء مبادئه القويّة، التي تدعو إلى
فتح قنوات التواصل الفاعل والحيّ على المستوى الفرديّ والجماعيّ والإنسانيّ.
إن الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبِّر بالضرورة عن رأي الموقع
، وإنما عن رأي صاحبه .