يقول الله سبحانه وتعلى في كتابه المجيد: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا}[الأعراف: 56].
ويقول سبحانه: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}[الرّوم: 41].
يتحدَّثُ اللهُ في هاتين الآيتين، وفي غيرهما، عن مسألة الفساد في الحياة ونتائجه؛ الفساد بين النَّاس، فيما يقوم به كلُّ إنسانٍ من عملٍ أو قولٍ، والفساد في الحياة، فيما يربك الحياة في نظامها وفي جميع أوضاعها، والفساد في البيئة، والفساد في كلِّ أوضاع الأرض مما يمكن أن يفسد الحرث والزَّرع، وما إلى ذلك. فالله لا يحبُّ المفسدين، لأنَّ الفساد يؤدِّي إلى نتائجَ سلبيَّة على مستوى حياة الأفراد والمجتمعات، وعلى مستوى واقع الحيوان والأرض، وما إلى ذلك.
وقد حدَّثنا الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم عن نماذج حيَّة للمفسدين في الأرض في مدى التَّأريخ، ليعرِّفنا كيف تحرَّك هؤلاء وأفسدوا حياة النَّاس بما كانوا يقومون به.
والقرآن الكريم عندما يحدِّثنا عن التَّأريخ، فإنَّه لا يريد لنا أن نتجمَّد في التَّأريخ، ولكن يريد لنا أن نأخذ العبرة منه، فإذا حدَّثنا عن مفسد في الأرض في تاريخ البشريَّة، فإنَّ علينا أن نلاحق مثل هذا النَّموذج في حياتنا، من أجل أن لا نتمثَّله في الحياة، ومن أجل أن نقف ضدَّ الَّذين يتحركون في اتّجاهه.
فسادُ فرعونَ واستكبارُهُ
وقد بدأ القرآن حديثَهُ عن فرعون، باعتبار أنَّه من المفسدينَ في الأرضِ، فاللهُ يقولُ: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}[القصص: 4].
كيف قدَّم الله إلينا هذا النَّموذج؟
{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ}. والمقصود من هذه الكلمة، أنّه استكبر واستعلى على النَّاس، وادَّعى الربوبيَّة، واعتبر نفسه فوق النَّاس، وأنَّه السيِّد الَّذي لا بدَّ للنَّاس أن يتحوَّلوا إلى عبيدٍ له، يستعبدهم، فيخضعون له في كلِّ ما يريد، لمجرَّد أنَّه يريد منهم ذلك.
{وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا}، عمل على تمزيق المجتمع، بحيث فصل كلَّ عائلة عن العائلات الأخرى، وفصل كلَّ جماعة عن الجماعات الأخرى، حتَّى يتنازع النَّاس فيما بينهم، ليقتل بعضهم بعضاً، وليدمِّر بعضهم مصالح بعض، ليكون هو في موقف السيادة الَّذي يرجع النَّاس إليه ليحلَّ لهم مشاكلهم وخلافاتهم.
والصّفة الثَّالثة له {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ}، لأنَّ المجتمع على طائفتين؛ طائفة الأغنياء والمترفين والمتنعّمين، وهم فريق كلّ متكبّر، لأنهم هم الَّذين يقوّون مركزه، وهم الّذين يحقّقون مصالحهم من خلاله، هؤلاء هم الطَّبقة المستكبرة الَّتي تخضع للمستكبر الأكبر، لتستضعف النَّاس من خلاله. وهناك طائفة المستضعفين البسطاء من العمَّال والأجراء والفلَّاحين وغيرهم من الفقراء. كيف كان يتعامل معهم؟ {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ}، فقد نصب فرعون جواسيس على كلِّ امرأة حامل، فإذا كان الولد ذكراً، ذُبِحَ في الحال، وإذا كان أنثى أبقيت، لأنَّه كان رأى في منامه، أنَّ ولداً من بني إسرائيل سوف يولَد وتكون نهايته على يده. {وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} يبقيهنَّ للخدمة وما إلى ذلك. {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}.
ونحن عندما ندرس نموذج فرعون في هذه الصّفات الثَّلاثة، نجد أنَّ هناك أكثر من فرعون في واقعنا الَّذي نعيشه، فهناك الكثيرون من المستكبرين على مستوى الدّول، أو على مستوى الحكَّام الَّذين يعملون على تفرقة المجتمع، لتكون لهم السيادة عليه، حتَّى لا يتوحَّد المجتمع في مواجهتهم. وهكذا يعملون على استضعاف الفئات الصَّغيرة والمحرومة.. قد لا يذبِّحون أبناءهم بالطريقة الفرعونيَّة، ولكنَّهم يذبّحونهم بألف طريقة وطريقة، من خلال سجونهم، ومن خلال ما يثيرونه ضدَّهم.
لذلك، أيُّها الأحبَّة، عندما تقرأون هذه الآية من القرآن الكريم، وغيرها من الآيات المماثلة، فلا تحدِّقوا بفرعون موسى، ولكن حدِّقوا بكلِّ فرعونٍ في الشَّرق والغرب، في مواقعكم الَّتي تعيشون فيها، وفي كلِّ مواقع الإفساد في الأرض.
نموذجُ قارونَ: طغيانُ المالِ
ويحدِّثنا الله بعد ذلك عن المفسدين من خلال الثَّروة، هؤلاء الَّذين يفسدون حياة النَّاس، فيعيشون الاستكبار من خلال ضخامة ثرواتهم، ويعملون على تكثيرها وتضخيمها، بقطع النَّظر عمَّا إذا كانت وسائلهم لتضخيم ثرواتهم في مصلحة النَّاس أو في غير مصلحتهم.
يقول تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ - اعتدى عليهم، آذاهم وأضرَّهم وحطَّم الكثير من مصالحهم - وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ - بحيث كانت مفاتيح خزائنه، لو حملها جماعة من النَّاس الأقوياء لأثقلتهم، من جهة كثرتها ومن جهة ضخامتها - إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ - اعمل بما آتاك الله من المال، من أجل أن تحصل على رضوانه وعلى نعيمه في الدَّار الآخرة - وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا - من حاجاتك الدنيويَّة - وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}[القصص: 76 – 77].
فنحن نلاحظ أنَّ هذه الآيات تعطينا الفكرة في مسألة الثَّروة، فالله سبحانه وتعالى لا يبغض للإنسان أن يكون ثريّاً، لأنَّ الله أراد للنَّاس أن يمشوا في مناكبها، ويأكلوا من رزقه، حتَّى إنَّ الله يقول في صلاة الجمعة: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[الجمعة: 10]. فالله أراد لنا أن نطلب الرّزق، فليست المشكلة أن يكون الإنسان غنيّاً، ولكنَّ القضيَّة كيف يحرِّك غناه في طاعة الله، وفي إصلاح حياة النَّاس، وكيف يمنع غناه من أن يكون مفسداً لحياة النَّاس. فالنَّاس الَّذين يرزقهم الله مالاً، ويستثمرونه في تأسيس نوادي القمار، مثلاً، أو تأسيس مواقع الخمور والمخدّرات، أو في مواقع الخلاعة والفجور والإفساد الأخلاقي... هؤلاء الَّذين يستعملون أموالهم وثرواتهم في سبيل الإفساد الاقتصادي والإفساد السياسي، عندما يعطون أموالهم للظَّالمين وللمفسدين، أو في سبيلِ الإفساد الأخلاقي، فهؤلاء كقارون، لا فرق بينهم وبينه، لأنَّ ثروتهم تكون مشكلةً على مجتمعهم، بدلاً من أن تكون خيراً له.
لذلك، إذا قرأتم قصَّة قارون في القرآن الكريم، فعليكم أن تلتفتوا إلى القوارين المنتشرين في شرقِ الأرض وغربها، ممَّن يفسدون في الأرض، ويبغون على النَّاس بغير الحقّ، وممن يستعملون ثرواتهم في إفساد حياة النَّاس من كلِّ جانب.
فسادُ أقوامِ الأنبياء
وهكذا، نجد أنَّ الله حدَّثنا عن قوم عاد؛ هؤلاء الَّذين كانوا يملكون القوَّة الجسديَّة، كما يملكون أكثر من موقع من مواقع القوَّة، وقد حدَّثنا الله عنهم بطريقة سلبيَّة: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ}[الفجر: 6- 12].
حدَّثنا الله عن هؤلاء الَّذين يملكون قوَّة الجسد وقوَّة السلطة، كيف أنَّ ذلك حوَّلهم إلى طغاة على النَّاس، يحركون الطّغيان في حياتهم، فيظلمون المستضعفين، ما يؤدِّي إلى المزيد من الإفساد في حياة النَّاس.
وهكذا، حدَّثنا الله سبحانه وتعالى عن قوم صالح: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}[الأعراف: 74]...
كان نبيّهم صالح (ع) يحدِّثهم بهذه الطَّريقة، وأنَّ عليكم أن تشكروا الله وتحمدوه فيما أعطاكم، وأنَّ عليكم أن لا تعملوا على أن تحركوا الفساد في الأرض
وهكذا يحدِّثنا الله عن قوم شعيب، الَّذين كانوا يتحركون لإفساد حياة النَّاس في المسألة التجاريَّة: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}[هود: 85].
كانت طريقتهم أنَّهم يأخذون أكثر مما لهم، ويعطون النّاس أقلَّ مما يستحقّون: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ}[المطفّفين: 1- 4].
لذلك، عبَّر الله عنهم بأنَّهم من المفسدين، وهذا لا يختصّ بإنقاص الكيل والميزان، وإنما يمتدّ إلى كلِّ غشّ في المعاملة، وإلى أخذ كلِّ ما ليس لك به حقّ من النَّاس، وإلى غمط حقّ النّاس فيما يستحقّونه عليك.
المفسدون بالشّذوذِ الجنسيّ
ويحدّثنا الله سبحانه وتعالى عن المفسدين من خلال الشّذوذ الجنسي: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ}[العنكبوت: 29 - 30].
هكذا كان قوم لوط، هؤلاء الَّذين كانوا يأتون الرّجال شهوة من دون النّساء، فيما يعبَّر عنه بالشّذوذ الجنسي المذكَّر، حيث كانوا يقطعون طريق النَّاس لاختيار الأشخاص الَّذين يملكون الجمال، ليقضوا شهوتهم منهم، وكانوا يأتون المنكر، فعبَّر الله عنهم بالمفسدين.
أيُّها الأحبَّة، لا بدَّ لنا عندما نقرأ هذه الآية في القرآن، أن نواجه هذا السلوك المنحرف الشّاذّ الَّذي بدأ ينتشر في كثيرٍ من أوساطنا، وهو الشّذوذ الجنسيّ. علينا أن نواجه كلَّ الذين يدعون إلى هذا، وعلينا أن نواجه كلَّ الواقع الَّذي يتعامل مع هذا، ولا سيَّما أن نقف ضدّ الَّذين يغتصبون الأطفال، أو الَّذين يغرونهم بالمال، أو يستغلّون نقاط ضعفهم ممن كان سلوكهم سلوك قوم لوط، أن نواجه المسألة في هذا الاتجاه.
الإفسادُ في الأرض
ويحدِّثنا الله سبحانه وتعالى عن كثير من النَّاس الَّذين يعيشون الفساد: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا – هؤلاء الَّذين يقطعون الطَّريق، ويقتلون النَّاس، ويسلبونهم، وما إلى ذلك - أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ}[المائدة: 33].
وحدَّثنا الله أيضاً عن المبذِّرين الَّذين يصرفون أموالهم ويبذِّرونها بغير الحقّ، حيث قال الله سبحانه وتعالى عنهم: {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ}[الشّعراء: 151 - 152].
مسؤوليَّةُ الإصلاح
وهكذا، أيُّها الأحبَّة، تتوالى الآيات في التَّنديد بالمفسدين في الأرض في كلِّ زمان ومكان، وعلينا أن نعرف الصَّلاح حتَّى نعرف الفساد، وأن نعرف المصلحين حتَّى نعرف المفسدين، وعلينا أن نعمل جميعاً على أساس أن نصلح واقعنا، وأن نعمل جميعاً من أجل أن يسير النَّاس كلّهم على أساس الحقّ، أن نعمل على إصلاح أنفسنا في البداية، وعلى إصلاح أهلنا، وعلى إصلاح مجتمعاتنا؛ كلٌّ بحسب طاقته وقدرته، لأنَّ المجتمع الَّذي يتعاون كلّ أفراده على الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي والسياسي، هو مجتمع يرضى الله عنه، ويتحرَّك في خطِّ الاستقامة، وينفتح على الحقّ ولا ينفتح على الباطل، وهو المجتمع الّذي يعيش في خطّ العدالة وفي خطّ الاستقامة، لأنَّ الله يقول لنا إنَّنا إذا تركنا الفساد يمتدّ في الأرض، وتركنا المفسدين يحكمون النَّاس، كلّ في موقعه، فإنَّ ذلك سوف يؤدّي إلى نتائج في الدّنيا قبل الآخرة، وهذا ما عبَّر الله عنه في قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}[الرّوم: 41].
فالفساد الّذي تلاحظونه من كلِّ هذه المشاكل الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة، لم تكن بلاءً يسقط علينا من السَّماء، ولكنَّه كان بلاءً صنعته أيدينا، لأنَّ الله سبحانه وتعالى جعل لكلِّ سلوك يسلكه النَّاس نتائج إيجابيَّة إن كان السلوك صلاحاً، وسلبيّة إن كان السلوك فساداً.
لذلك، علينا أن نعرف أنَّ الله يذيقنا بعض ما عملنا، حتَّى إذا أحسسنا بالألم من خلال نتائج الفساد الفردي، أو نتائج الفساد الاجتماعي، عملنا على أن نبتعد عنه ونتخفَّف منه.
أيُّها الأحبّة، إنَّ الله خلق لنا هذه الحياة، وخلقَنَا في هذه الحياة من أجل أن نصلح أنفسنا، وأن نصلح أهلنا، وأن نصلح النَّاس من حولنا، وأن نصلح الحياة الَّتي نتحرَّك فيها، وأن لا نفسدها.. تلك أمانة الله في أعناقنا، والله يأمرنا أن نؤدِّي الأمانات إلى أهلها.
الخطبة الثَّانية
عباد الله، اتَّقوا الله في نظم أمركم وصلاح ذات بينكم، فإنَّ الفتن قد جاءت يزحم بعضها بعضاً، مما يراد له أن يفرّق بين الأخ وأخيه، وبين الأب وأبنائه، وبين الأمَّة في كلِّ مواقعها، مما يتحرَّك به دعاة الفتنة في كثير مما يحرِّك الحساسيَّات، ومما يثير الأحقاد والأضغان في النفوس. إنَّ الله سبحانه وتعالى جاءنا بالرَّحمة، فهو الرَّحمن الرَّحيم، وعلينا أن يرحم بعضنا بعضاً، وإنَّ النَّبيَّ (ص) قال: "لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ، ويكره له ما يكره لها". فعلينا أن نملأَ حياتنا بالمحبَّة والرَّحمة، وأن يحبَّ الأخ أخاه، وأن يعفو بعضنا عن بعض، وأن يتسامح بعضنا من بعض، وأن ننطلق لنتعاون في كلِّ أعمال الخير، ولا نجعل عمل الخير منافسة أو مغالبة وما إلى ذلك، فنحن بحاجة إلى كلِّ مشاريع الخير، وكلِّ أعمال الخير، وكلِّ ما يجعل النَّاس يرتفعون إلى الله سبحانه وتعالى في مواقع رضاه، وفي محالّ عبادته، وفي ساحات الصَّلاح والإصلاح في الدّنيا.
علينا، أيُّها الأحبَّة، أن نكون الأمَّة المسلمة الَّتي تقف صفّاً واحداً في مواجهة أعدائها؛ أعداء الله وأعداء رسوله، لأنَّ أعداء الله، كما ترون، قد اتَّحدوا جبهةً واحدةً في سبيل إنجاح كلِّ مخطَّطاتهم، سواء كانت هذه المخطَّطات مخطَّطات ثقافية أو سياسية أو اجتماعية، لقد اتفقوا على باطلهم، وتفرَّقنا عن حقّنا، ولذلك قوي باطلهم، واستطاع أن يستعلي علينا، وأن ينفذ إلينا ويسيطر علينا. وهكذا رأيتم كيف أنَّ المستكبرين في الأرض والمفسدين فيها، تعاونوا في الدَّاخل والخارج من أجل أن يمهِّدوا للمحتلّ احتلاله، وللمستكبر استكباره، وللّذين يسرقون ثروات النَّاس سرقتهم.
لذلك، أيُّها الأحبَّة، فكّروا في الشَّأن العامّ، لأنَّه شأن كلِّ واحد منكم، ولا تفكِّروا في الشَّأن الخاصّ، وإذا فكَّرتم في الشَّأن الخاصّ، فليكن ذلك بما لا يتنافى مع الشَّأن العامّ، لأنَّ الشّؤون العامَّة، سواء كانت تتَّصل بالحياة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، هي الَّتي يمكن أن ترفع وجودنا كأمّة، وأن ترفع مكانتنا بين الأمم.
إنَّنا عندما ندرس، أيُّها الأحبَّة، الاستكبار العالميَّ في كلِّ مواقعه، فإنَّنا قد نراهم يتصارعون على مواقع النّفوذ عندنا؛ يتصارعون أيّهم يربح موقعاً اقتصادياً عندنا، وأيّهم يربح موقعاً استراتيجياً عندنا، وأيّهم يربح موقعاً أمنيّاً عندنا... إنَّهم يتصارعون في السَّاحة التي قرَّروا فيها أن تكون ساحة حرّة بينهم، ولكن عندما ننطلق من أجل أن نطالب بحقوقنا، وأن نحصل على استقلالنا، ومن أجل أن نحصل على حرياتنا، فإنهم يتَّحدون من أجل بعثرة كلِّ جهودنا، ومن أجل منعنا من الحصول على استقلالنا.
لاحظوا كيف اجتمع الشَّرق والغرب على أن يركِّزوا إسرائيل في فلسطين، وأن يمنعوا الفلسطينيّين من أن يعيشوا في أرضهم، أو أن يرجع المشرَّدون منهم إلى أرضهم.. مهما اختلفوا في هذا الخطِّ السياسيّ أو ذاك، فإنَّهم اتَّفقوا على أن تكون إسرائيل دولة شرعيَّة في المنطقة!
وهكذا نجد أنَّ أوروبَّا قد تختلف مع أمريكا في بعض المواقع الاقتصاديَّة، ولكنَّهم عندما يشعرون بأنَّ مصالح الاستكبار تتعرَّض للخطر، فإنَّهم يتوحَّدون، ونحن نتفرَّق، ونحن نتمزَّق، ونحن نستغرق في مذهبيَّاتنا؛ هذا سنّي وهذا شيعي، والشيعي يحارب السنّي ويكفِّره، والسنّي يحارب الشيعي ويكفِّره... هذا عربي، وذاك فارسي، وهذا يحطِّم ذاك، وذاك يحطِّم هذا...
وهكذا غرقنا في خلافاتنا، ودخل الآخرون بكلِّ أجهزة المخابرات من أجل أن يقوّوا هذه الخلافات، حتَّى إنَّنا في داخل كلِّ مذهب من مذاهبنا، تفرَّقنا أحزاباً؛ هذا متحزّب لذاك، وذاك متحزّب لذلك، ونحن دائماً نقول: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمَّداً رسول الله، وأنَّ عليّاً وليّ الله، ولكنَّنا اختلفنا حتَّى كفَّر بعضنا بعضاً، وضلَّل بعضنا بعضاً، وهكذا وصلت المسألة إلى مسألة الحزبيَّات، فكلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون، ووصلت إلى مسألة المرجعيَّات، فهذا يتعصَّب لمرجعه ويعادي الآخر، وذاك يتعصَّب لمرجعه... فأيُّ تخلّف هو هذا التّخلّف؟ القوم يخطِّطون من أجل أن لا تكون لكم حريَّة في بلادكم، أن لا تكون ثرواتكم لكم، أن لا يكون لكم استقلال، أن لا يكون لكم اقتصاد... القوم يخطِّطون ونحن نتخلَّف؛ أنت من تقلِّد؟ وهذا من يقلِّد؟ وأنت من أيِّ حزب؟ وذاك من أيّ حزب؟ وأنت من جماعة مَن؟ وذاك من أيّ جماعة؟... تلعبون تماماً كما يلعب الأطفال عند الشَّاطئ.. هل رأيتم أطفالكم كيف يلعبون؛ هذا يعمِّر بيتاً، وهذا يخطِّط على هذه المنطقة وتلك المنطقة، ويتنازعون؛ هذا يقول لقد تقدَّمْتَ على الحدِّ الّذي لي وخرَّبت بيتي، وذاك يقول، وتأتي الموجة، وتجرف كلَّ البيوت، وينطلق الأطفال إلى بيوتهم.. أليس حالنا كحال هؤلاء؟!
أيُّها الأحبَّة، كونوا الواعين لقضاياكم الكبرى، وتعالوا لنجد ماذا هناك، لعلَّنا نعي جيِّداً من خلال هذه الجراحات الَّتي لا تزال تنزف من دمائنا ومصالحنا واقتصادنا منذ خمسين سنة وحتَّى الآن.
ذكرى الاجتياحِ الإسرائيليّ
نلتقي في هذه الأيَّام بالذكرى العشرين للاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 78، والذي جاء بعد أكثر من عدوان على أرضه وشعبه، ما جعل من لبنان ساحة تجربة لأكثر من سلاح جديد على المدنيّين، كانت أمريكا تجرِّب بعض أسلحتها الجديدة في لبنان، كانت تجرّب فينا كثيراً من القنابل العنقوديَّة وغيرها من خلال إسرائيل، وأكثر من مشروع سياسي أمنيّ للفتنة ولحركة الصِّراع في المنطقة، في ساحة التجاذب الدولي، في القضيَّة الفلسطينيَّة التي كانت الحرب اللبنانية في التخطيط الأمريكي لخطَّة هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكيّة الأسبق، كان من نتائجها إنتاج المشروع الإسرائيلي في إسقاط المقاومة الفلسطينيَّة آنذاك.
وهكذا تتابعت الأحداث والمجازر في حرب تصفية الحسابات في تموز 93، وعناقيد الغضب في نيسان 96. وعلينا أن نواجه هذه الذكرى في المرحلة الحاضرة الَّتي تخضع للكثير من التعقيدات السياسيَّة، في مسألة التسوية من جهة، والأزمة العراقيَّة من جهة أخرى، وفي العدوان الأمريكي على أكثر من قضيّة عربيّة وإسلاميّة، لنتوقَّف عند بعض النقاط.
الأولى: إنَّ الوحدة الوطنيَّة الداخليَّة هي السِّلاح الأفضل لإسقاط مخطّطات العدوّ الساعية لإغراق الساحة اللبنانيّة بالخلافات السياسيّة والحساسيات الطائفيّة، لأنَّ ذلك هو السبيل لإبقاء حالة الصّمود الشعبي أمام العدوان، ما يفرض على الجميع الوقوف بقوَّة في ذكرى 14 آذار، بعيداً من كلِّ الهوامش الصغيرة والجزئيات الاستهلاكية، لينطلق الصوت الواحد، وهو صوت التَّحرير في مواجهة الاحتلال.
الثّانية: أن يتذكَّر الشَّعب اللبناني المجازر الَّتي ارتكبها العدوّ في اجتياح العام 78، أو في عدوانيْهِ الجوّيّين في 93 و96، وما بين هذه التَّواريخ من مجازر متفرّقة؛ من حانين، إلى العباسية، إلى سحمر، إلى مجزرة قانا... إنَّ ذلك يشير إلى الكيان المتعطِّش للدّماء في تعامله مع الشعوب الأخرى، ما يفرض علينا وعي المستقبل في المنطقة، باستحالة التَّعايش مع اليهود الَّذين يختزنون الحقد العنصريَّ في داخلهم من ناحية دينيَّة أو واقعيَّة، الأمر الَّذي يجعل من الحديث عن السَّلام معهم، حديث خرافة تاريخيَّة على مستوى المستقبل، كما كان ذلك على مستوى الماضي والحاضر.
الثَّالثة: إنَّ التحالف الأمريكيّ الإسرائيليّ في حركة المنطقة السياسيَّة، لا يزال يفرض نفسه على طبيعة اللّعبة المتمثّلة بالتغطية على جرائم إسرائيل، وفي العمل على إنقاذها من المأزق الَّذي وقعت فيه بفعل ضربات المجاهدين في لبنان، وذلك بإعادة إنتاج القرار 425 بطريقة معقَّدة، تستهدف فرض ترتيبات أمنيَّة قد تمنح إسرائيل جائزةً على عدوانها التَّاريخي، وذلك بالمفاوضات الَّتي قد تنتج اتّفاقاً مهيناً كاتّفاق 17 أيَّار، في الوقت الذي نعرف أنَّ القرار 425 يفرض الانسحاب من دون قيد أو شرط، ما يفرض على اللّبنانيّين والسوريّين معاً، الانتباه إلى طبيعة الخطّة الخبيثة الَّتي تريد إسرائيل أن تدخل من الشبَّاك عندما تخرج من الباب.
إنَّ اللّعبة المزدوجة التي تخوضها أمريكا وإسرائيل، تفرض التأكيد على وحدة الموقف الدَّاخلي، ووحدة الموقف مع سوريا، ودعم المقاومة بكلِّ الإمكانات المتاحة، وصولاً إلى إرغام العدوّ على الانسحاب من دون أن يحقِّق أيَّ هدف من أهدافه المرسومة، لأنَّ ذلك هو الَّذي يلتقي مع دماء الشّهداء ومع معاناة الشَّعب اللبناني، من خلال أكثر من مجزرة وأكثر من عدوان.
إنَّنا نحذِّر الجميع من الصّراع الداخلي لمصلحة العدوّ، أو من خسران النَّصر بالتفرق والاختلاف، وإشاعة أجواء الضّعف والتراجع والانقسام.
لإحياءِ الانتفاضةِ من جديد
وفي موازاة ذلك، لا بدَّ أن نقف عند المجزرة الأخيرة الَّتي ارتكبها جيش العدوّ ضدّ مجموعة من العمَّال الفلسطينيّين، هذه المجزرة الَّتي تدلّ دلالةً واضحةً على الوحشيَّة اليهوديَّة، ما يجعل من فكرة التَّعايش بين العرب واليهود فكرة غير واقعيّة، الأمر الَّذي يفرض إعادة إنتاج الانتفاضة من جديد، بعد سقوط اتفاق أوسلو بكلِّ ملاحقه وتفاصيله، وهو الَّذي راهن عليه فريق التسوية في فلسطين.
المجازرُ في كوسوفو
وليس بعيداً من ذلك، لا نزال نتابع الوضع الدَّامي في إقليم كوسوفو الإسلامي، وما يتعرَّض له الواقع الإسلامي هناك من مذابح وقمع، ونخشى أن تتجدَّد الطَّريقة التي واجه بها الغرب قضيَّة البوسنة والهرسك الَّتي استهدفت منع وجود دولة مسلمة في أوروبّا، حتَّى لو كانت علمانيّة.
إنَّنا ندعو المسلمين جميعاً إلى الوقوف إلى جانب إخوانهم هناك، والتعبير عن الرفض للظّلم الذي يلاقونه، من الصرب تارةً، ومن صمت المحاور الدوليَّة من جهة أخرى، وندعو المؤتمر الإسلامي إلى التحرّك بقوَّة في مواجهة هذا العدوان على المسلمين، ليعرف العالم المستكبر أنَّ المسلمين يمثّلون وحدة إسلاميَّة في مواجهة أيّ عدوان.
فرضُ ضرائبَ جديدةٍ
وأخيراً، نطلُّ على الوضع اللّبناني الدّاخلي، لنلاحظ أنَّنا نسمع في هذه الأيَّام، وبعد الوعود الَّتي رافقت المشاورات الأخيرة باتخاذ آليَّة لمواجهة الواقع الاقتصادي الصَّعب، نسمع حديثاً عن ضرائب جديدة، بينها ضريبة الواحد في المئة على العمل، والضَّرائب المتوقَّعة على البنزين، وإبقاء مسألة الهدر، والفساد الإداري، والضَّياع السياسي، وواقع اللاخطَّة في الواقع اللّبناني، على حالها.
والسؤال الكبير: هل يبقى اللّبنانيّون في داخل الوقت الضَّائع الَّذي ينقلهم من ملهاة إلى ملهاة، ومن نزاع إلى نزاع، لينسى الجميع واقع المأساة السياسية والاقتصادية الَّتي تعيشها الأكثريّة الشعبيَّة الأكثر حرماناً في كلِّ المجالات؟!
* خطبة الجمعة لسماحته، بتاريخ: 13/03/ 1998م.
يقول الله سبحانه وتعلى في كتابه المجيد: {وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا}[الأعراف: 56].
ويقول سبحانه: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}[الرّوم: 41].
يتحدَّثُ اللهُ في هاتين الآيتين، وفي غيرهما، عن مسألة الفساد في الحياة ونتائجه؛ الفساد بين النَّاس، فيما يقوم به كلُّ إنسانٍ من عملٍ أو قولٍ، والفساد في الحياة، فيما يربك الحياة في نظامها وفي جميع أوضاعها، والفساد في البيئة، والفساد في كلِّ أوضاع الأرض مما يمكن أن يفسد الحرث والزَّرع، وما إلى ذلك. فالله لا يحبُّ المفسدين، لأنَّ الفساد يؤدِّي إلى نتائجَ سلبيَّة على مستوى حياة الأفراد والمجتمعات، وعلى مستوى واقع الحيوان والأرض، وما إلى ذلك.
وقد حدَّثنا الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم عن نماذج حيَّة للمفسدين في الأرض في مدى التَّأريخ، ليعرِّفنا كيف تحرَّك هؤلاء وأفسدوا حياة النَّاس بما كانوا يقومون به.
والقرآن الكريم عندما يحدِّثنا عن التَّأريخ، فإنَّه لا يريد لنا أن نتجمَّد في التَّأريخ، ولكن يريد لنا أن نأخذ العبرة منه، فإذا حدَّثنا عن مفسد في الأرض في تاريخ البشريَّة، فإنَّ علينا أن نلاحق مثل هذا النَّموذج في حياتنا، من أجل أن لا نتمثَّله في الحياة، ومن أجل أن نقف ضدَّ الَّذين يتحركون في اتّجاهه.
فسادُ فرعونَ واستكبارُهُ
وقد بدأ القرآن حديثَهُ عن فرعون، باعتبار أنَّه من المفسدينَ في الأرضِ، فاللهُ يقولُ: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}[القصص: 4].
كيف قدَّم الله إلينا هذا النَّموذج؟
{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ}. والمقصود من هذه الكلمة، أنّه استكبر واستعلى على النَّاس، وادَّعى الربوبيَّة، واعتبر نفسه فوق النَّاس، وأنَّه السيِّد الَّذي لا بدَّ للنَّاس أن يتحوَّلوا إلى عبيدٍ له، يستعبدهم، فيخضعون له في كلِّ ما يريد، لمجرَّد أنَّه يريد منهم ذلك.
{وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا}، عمل على تمزيق المجتمع، بحيث فصل كلَّ عائلة عن العائلات الأخرى، وفصل كلَّ جماعة عن الجماعات الأخرى، حتَّى يتنازع النَّاس فيما بينهم، ليقتل بعضهم بعضاً، وليدمِّر بعضهم مصالح بعض، ليكون هو في موقف السيادة الَّذي يرجع النَّاس إليه ليحلَّ لهم مشاكلهم وخلافاتهم.
والصّفة الثَّالثة له {يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ}، لأنَّ المجتمع على طائفتين؛ طائفة الأغنياء والمترفين والمتنعّمين، وهم فريق كلّ متكبّر، لأنهم هم الَّذين يقوّون مركزه، وهم الّذين يحقّقون مصالحهم من خلاله، هؤلاء هم الطَّبقة المستكبرة الَّتي تخضع للمستكبر الأكبر، لتستضعف النَّاس من خلاله. وهناك طائفة المستضعفين البسطاء من العمَّال والأجراء والفلَّاحين وغيرهم من الفقراء. كيف كان يتعامل معهم؟ {يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ}، فقد نصب فرعون جواسيس على كلِّ امرأة حامل، فإذا كان الولد ذكراً، ذُبِحَ في الحال، وإذا كان أنثى أبقيت، لأنَّه كان رأى في منامه، أنَّ ولداً من بني إسرائيل سوف يولَد وتكون نهايته على يده. {وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ} يبقيهنَّ للخدمة وما إلى ذلك. {إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}.
ونحن عندما ندرس نموذج فرعون في هذه الصّفات الثَّلاثة، نجد أنَّ هناك أكثر من فرعون في واقعنا الَّذي نعيشه، فهناك الكثيرون من المستكبرين على مستوى الدّول، أو على مستوى الحكَّام الَّذين يعملون على تفرقة المجتمع، لتكون لهم السيادة عليه، حتَّى لا يتوحَّد المجتمع في مواجهتهم. وهكذا يعملون على استضعاف الفئات الصَّغيرة والمحرومة.. قد لا يذبِّحون أبناءهم بالطريقة الفرعونيَّة، ولكنَّهم يذبّحونهم بألف طريقة وطريقة، من خلال سجونهم، ومن خلال ما يثيرونه ضدَّهم.
لذلك، أيُّها الأحبَّة، عندما تقرأون هذه الآية من القرآن الكريم، وغيرها من الآيات المماثلة، فلا تحدِّقوا بفرعون موسى، ولكن حدِّقوا بكلِّ فرعونٍ في الشَّرق والغرب، في مواقعكم الَّتي تعيشون فيها، وفي كلِّ مواقع الإفساد في الأرض.
نموذجُ قارونَ: طغيانُ المالِ
ويحدِّثنا الله بعد ذلك عن المفسدين من خلال الثَّروة، هؤلاء الَّذين يفسدون حياة النَّاس، فيعيشون الاستكبار من خلال ضخامة ثرواتهم، ويعملون على تكثيرها وتضخيمها، بقطع النَّظر عمَّا إذا كانت وسائلهم لتضخيم ثرواتهم في مصلحة النَّاس أو في غير مصلحتهم.
يقول تعالى: {إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَىٰ فَبَغَىٰ عَلَيْهِمْ - اعتدى عليهم، آذاهم وأضرَّهم وحطَّم الكثير من مصالحهم - وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ - بحيث كانت مفاتيح خزائنه، لو حملها جماعة من النَّاس الأقوياء لأثقلتهم، من جهة كثرتها ومن جهة ضخامتها - إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ * وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ - اعمل بما آتاك الله من المال، من أجل أن تحصل على رضوانه وعلى نعيمه في الدَّار الآخرة - وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا - من حاجاتك الدنيويَّة - وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ}[القصص: 76 – 77].
فنحن نلاحظ أنَّ هذه الآيات تعطينا الفكرة في مسألة الثَّروة، فالله سبحانه وتعالى لا يبغض للإنسان أن يكون ثريّاً، لأنَّ الله أراد للنَّاس أن يمشوا في مناكبها، ويأكلوا من رزقه، حتَّى إنَّ الله يقول في صلاة الجمعة: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}[الجمعة: 10]. فالله أراد لنا أن نطلب الرّزق، فليست المشكلة أن يكون الإنسان غنيّاً، ولكنَّ القضيَّة كيف يحرِّك غناه في طاعة الله، وفي إصلاح حياة النَّاس، وكيف يمنع غناه من أن يكون مفسداً لحياة النَّاس. فالنَّاس الَّذين يرزقهم الله مالاً، ويستثمرونه في تأسيس نوادي القمار، مثلاً، أو تأسيس مواقع الخمور والمخدّرات، أو في مواقع الخلاعة والفجور والإفساد الأخلاقي... هؤلاء الَّذين يستعملون أموالهم وثرواتهم في سبيل الإفساد الاقتصادي والإفساد السياسي، عندما يعطون أموالهم للظَّالمين وللمفسدين، أو في سبيلِ الإفساد الأخلاقي، فهؤلاء كقارون، لا فرق بينهم وبينه، لأنَّ ثروتهم تكون مشكلةً على مجتمعهم، بدلاً من أن تكون خيراً له.
لذلك، إذا قرأتم قصَّة قارون في القرآن الكريم، فعليكم أن تلتفتوا إلى القوارين المنتشرين في شرقِ الأرض وغربها، ممَّن يفسدون في الأرض، ويبغون على النَّاس بغير الحقّ، وممن يستعملون ثرواتهم في إفساد حياة النَّاس من كلِّ جانب.
فسادُ أقوامِ الأنبياء
وهكذا، نجد أنَّ الله حدَّثنا عن قوم عاد؛ هؤلاء الَّذين كانوا يملكون القوَّة الجسديَّة، كما يملكون أكثر من موقع من مواقع القوَّة، وقد حدَّثنا الله عنهم بطريقة سلبيَّة: {أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ * إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ * الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ * وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ * وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ}[الفجر: 6- 12].
حدَّثنا الله عن هؤلاء الَّذين يملكون قوَّة الجسد وقوَّة السلطة، كيف أنَّ ذلك حوَّلهم إلى طغاة على النَّاس، يحركون الطّغيان في حياتهم، فيظلمون المستضعفين، ما يؤدِّي إلى المزيد من الإفساد في حياة النَّاس.
وهكذا، حدَّثنا الله سبحانه وتعالى عن قوم صالح: {وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِن بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِن سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}[الأعراف: 74]...
كان نبيّهم صالح (ع) يحدِّثهم بهذه الطَّريقة، وأنَّ عليكم أن تشكروا الله وتحمدوه فيما أعطاكم، وأنَّ عليكم أن لا تعملوا على أن تحركوا الفساد في الأرض
وهكذا يحدِّثنا الله عن قوم شعيب، الَّذين كانوا يتحركون لإفساد حياة النَّاس في المسألة التجاريَّة: {وَيَا قَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ}[هود: 85].
كانت طريقتهم أنَّهم يأخذون أكثر مما لهم، ويعطون النّاس أقلَّ مما يستحقّون: {وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ * أَلَا يَظُنُّ أُولَٰئِكَ أَنَّهُم مَّبْعُوثُونَ}[المطفّفين: 1- 4].
لذلك، عبَّر الله عنهم بأنَّهم من المفسدين، وهذا لا يختصّ بإنقاص الكيل والميزان، وإنما يمتدّ إلى كلِّ غشّ في المعاملة، وإلى أخذ كلِّ ما ليس لك به حقّ من النَّاس، وإلى غمط حقّ النّاس فيما يستحقّونه عليك.
المفسدون بالشّذوذِ الجنسيّ
ويحدّثنا الله سبحانه وتعالى عن المفسدين من خلال الشّذوذ الجنسي: {أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَرَ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَن قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ * قَالَ رَبِّ انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ}[العنكبوت: 29 - 30].
هكذا كان قوم لوط، هؤلاء الَّذين كانوا يأتون الرّجال شهوة من دون النّساء، فيما يعبَّر عنه بالشّذوذ الجنسي المذكَّر، حيث كانوا يقطعون طريق النَّاس لاختيار الأشخاص الَّذين يملكون الجمال، ليقضوا شهوتهم منهم، وكانوا يأتون المنكر، فعبَّر الله عنهم بالمفسدين.
أيُّها الأحبَّة، لا بدَّ لنا عندما نقرأ هذه الآية في القرآن، أن نواجه هذا السلوك المنحرف الشّاذّ الَّذي بدأ ينتشر في كثيرٍ من أوساطنا، وهو الشّذوذ الجنسيّ. علينا أن نواجه كلَّ الذين يدعون إلى هذا، وعلينا أن نواجه كلَّ الواقع الَّذي يتعامل مع هذا، ولا سيَّما أن نقف ضدّ الَّذين يغتصبون الأطفال، أو الَّذين يغرونهم بالمال، أو يستغلّون نقاط ضعفهم ممن كان سلوكهم سلوك قوم لوط، أن نواجه المسألة في هذا الاتجاه.
الإفسادُ في الأرض
ويحدِّثنا الله سبحانه وتعالى عن كثير من النَّاس الَّذين يعيشون الفساد: {إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا – هؤلاء الَّذين يقطعون الطَّريق، ويقتلون النَّاس، ويسلبونهم، وما إلى ذلك - أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلَافٍ}[المائدة: 33].
وحدَّثنا الله أيضاً عن المبذِّرين الَّذين يصرفون أموالهم ويبذِّرونها بغير الحقّ، حيث قال الله سبحانه وتعالى عنهم: {وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ * الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ}[الشّعراء: 151 - 152].
مسؤوليَّةُ الإصلاح
وهكذا، أيُّها الأحبَّة، تتوالى الآيات في التَّنديد بالمفسدين في الأرض في كلِّ زمان ومكان، وعلينا أن نعرف الصَّلاح حتَّى نعرف الفساد، وأن نعرف المصلحين حتَّى نعرف المفسدين، وعلينا أن نعمل جميعاً على أساس أن نصلح واقعنا، وأن نعمل جميعاً من أجل أن يسير النَّاس كلّهم على أساس الحقّ، أن نعمل على إصلاح أنفسنا في البداية، وعلى إصلاح أهلنا، وعلى إصلاح مجتمعاتنا؛ كلٌّ بحسب طاقته وقدرته، لأنَّ المجتمع الَّذي يتعاون كلّ أفراده على الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي والأخلاقي والسياسي، هو مجتمع يرضى الله عنه، ويتحرَّك في خطِّ الاستقامة، وينفتح على الحقّ ولا ينفتح على الباطل، وهو المجتمع الّذي يعيش في خطّ العدالة وفي خطّ الاستقامة، لأنَّ الله يقول لنا إنَّنا إذا تركنا الفساد يمتدّ في الأرض، وتركنا المفسدين يحكمون النَّاس، كلّ في موقعه، فإنَّ ذلك سوف يؤدّي إلى نتائج في الدّنيا قبل الآخرة، وهذا ما عبَّر الله عنه في قوله تعالى: {ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}[الرّوم: 41].
فالفساد الّذي تلاحظونه من كلِّ هذه المشاكل الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة والاقتصاديَّة والسياسيَّة، لم تكن بلاءً يسقط علينا من السَّماء، ولكنَّه كان بلاءً صنعته أيدينا، لأنَّ الله سبحانه وتعالى جعل لكلِّ سلوك يسلكه النَّاس نتائج إيجابيَّة إن كان السلوك صلاحاً، وسلبيّة إن كان السلوك فساداً.
لذلك، علينا أن نعرف أنَّ الله يذيقنا بعض ما عملنا، حتَّى إذا أحسسنا بالألم من خلال نتائج الفساد الفردي، أو نتائج الفساد الاجتماعي، عملنا على أن نبتعد عنه ونتخفَّف منه.
أيُّها الأحبّة، إنَّ الله خلق لنا هذه الحياة، وخلقَنَا في هذه الحياة من أجل أن نصلح أنفسنا، وأن نصلح أهلنا، وأن نصلح النَّاس من حولنا، وأن نصلح الحياة الَّتي نتحرَّك فيها، وأن لا نفسدها.. تلك أمانة الله في أعناقنا، والله يأمرنا أن نؤدِّي الأمانات إلى أهلها.
الخطبة الثَّانية
عباد الله، اتَّقوا الله في نظم أمركم وصلاح ذات بينكم، فإنَّ الفتن قد جاءت يزحم بعضها بعضاً، مما يراد له أن يفرّق بين الأخ وأخيه، وبين الأب وأبنائه، وبين الأمَّة في كلِّ مواقعها، مما يتحرَّك به دعاة الفتنة في كثير مما يحرِّك الحساسيَّات، ومما يثير الأحقاد والأضغان في النفوس. إنَّ الله سبحانه وتعالى جاءنا بالرَّحمة، فهو الرَّحمن الرَّحيم، وعلينا أن يرحم بعضنا بعضاً، وإنَّ النَّبيَّ (ص) قال: "لا يُؤْمِنُ أحدُكُم حتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ ما يُحِبُّ لنفسِهِ، ويكره له ما يكره لها". فعلينا أن نملأَ حياتنا بالمحبَّة والرَّحمة، وأن يحبَّ الأخ أخاه، وأن يعفو بعضنا عن بعض، وأن يتسامح بعضنا من بعض، وأن ننطلق لنتعاون في كلِّ أعمال الخير، ولا نجعل عمل الخير منافسة أو مغالبة وما إلى ذلك، فنحن بحاجة إلى كلِّ مشاريع الخير، وكلِّ أعمال الخير، وكلِّ ما يجعل النَّاس يرتفعون إلى الله سبحانه وتعالى في مواقع رضاه، وفي محالّ عبادته، وفي ساحات الصَّلاح والإصلاح في الدّنيا.
علينا، أيُّها الأحبَّة، أن نكون الأمَّة المسلمة الَّتي تقف صفّاً واحداً في مواجهة أعدائها؛ أعداء الله وأعداء رسوله، لأنَّ أعداء الله، كما ترون، قد اتَّحدوا جبهةً واحدةً في سبيل إنجاح كلِّ مخطَّطاتهم، سواء كانت هذه المخطَّطات مخطَّطات ثقافية أو سياسية أو اجتماعية، لقد اتفقوا على باطلهم، وتفرَّقنا عن حقّنا، ولذلك قوي باطلهم، واستطاع أن يستعلي علينا، وأن ينفذ إلينا ويسيطر علينا. وهكذا رأيتم كيف أنَّ المستكبرين في الأرض والمفسدين فيها، تعاونوا في الدَّاخل والخارج من أجل أن يمهِّدوا للمحتلّ احتلاله، وللمستكبر استكباره، وللّذين يسرقون ثروات النَّاس سرقتهم.
لذلك، أيُّها الأحبَّة، فكّروا في الشَّأن العامّ، لأنَّه شأن كلِّ واحد منكم، ولا تفكِّروا في الشَّأن الخاصّ، وإذا فكَّرتم في الشَّأن الخاصّ، فليكن ذلك بما لا يتنافى مع الشَّأن العامّ، لأنَّ الشّؤون العامَّة، سواء كانت تتَّصل بالحياة السياسية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، هي الَّتي يمكن أن ترفع وجودنا كأمّة، وأن ترفع مكانتنا بين الأمم.
إنَّنا عندما ندرس، أيُّها الأحبَّة، الاستكبار العالميَّ في كلِّ مواقعه، فإنَّنا قد نراهم يتصارعون على مواقع النّفوذ عندنا؛ يتصارعون أيّهم يربح موقعاً اقتصادياً عندنا، وأيّهم يربح موقعاً استراتيجياً عندنا، وأيّهم يربح موقعاً أمنيّاً عندنا... إنَّهم يتصارعون في السَّاحة التي قرَّروا فيها أن تكون ساحة حرّة بينهم، ولكن عندما ننطلق من أجل أن نطالب بحقوقنا، وأن نحصل على استقلالنا، ومن أجل أن نحصل على حرياتنا، فإنهم يتَّحدون من أجل بعثرة كلِّ جهودنا، ومن أجل منعنا من الحصول على استقلالنا.
لاحظوا كيف اجتمع الشَّرق والغرب على أن يركِّزوا إسرائيل في فلسطين، وأن يمنعوا الفلسطينيّين من أن يعيشوا في أرضهم، أو أن يرجع المشرَّدون منهم إلى أرضهم.. مهما اختلفوا في هذا الخطِّ السياسيّ أو ذاك، فإنَّهم اتَّفقوا على أن تكون إسرائيل دولة شرعيَّة في المنطقة!
وهكذا نجد أنَّ أوروبَّا قد تختلف مع أمريكا في بعض المواقع الاقتصاديَّة، ولكنَّهم عندما يشعرون بأنَّ مصالح الاستكبار تتعرَّض للخطر، فإنَّهم يتوحَّدون، ونحن نتفرَّق، ونحن نتمزَّق، ونحن نستغرق في مذهبيَّاتنا؛ هذا سنّي وهذا شيعي، والشيعي يحارب السنّي ويكفِّره، والسنّي يحارب الشيعي ويكفِّره... هذا عربي، وذاك فارسي، وهذا يحطِّم ذاك، وذاك يحطِّم هذا...
وهكذا غرقنا في خلافاتنا، ودخل الآخرون بكلِّ أجهزة المخابرات من أجل أن يقوّوا هذه الخلافات، حتَّى إنَّنا في داخل كلِّ مذهب من مذاهبنا، تفرَّقنا أحزاباً؛ هذا متحزّب لذاك، وذاك متحزّب لذلك، ونحن دائماً نقول: أشهد أن لا إله إلَّا الله، وأنَّ محمَّداً رسول الله، وأنَّ عليّاً وليّ الله، ولكنَّنا اختلفنا حتَّى كفَّر بعضنا بعضاً، وضلَّل بعضنا بعضاً، وهكذا وصلت المسألة إلى مسألة الحزبيَّات، فكلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون، ووصلت إلى مسألة المرجعيَّات، فهذا يتعصَّب لمرجعه ويعادي الآخر، وذاك يتعصَّب لمرجعه... فأيُّ تخلّف هو هذا التّخلّف؟ القوم يخطِّطون من أجل أن لا تكون لكم حريَّة في بلادكم، أن لا تكون ثرواتكم لكم، أن لا يكون لكم استقلال، أن لا يكون لكم اقتصاد... القوم يخطِّطون ونحن نتخلَّف؛ أنت من تقلِّد؟ وهذا من يقلِّد؟ وأنت من أيِّ حزب؟ وذاك من أيّ حزب؟ وأنت من جماعة مَن؟ وذاك من أيّ جماعة؟... تلعبون تماماً كما يلعب الأطفال عند الشَّاطئ.. هل رأيتم أطفالكم كيف يلعبون؛ هذا يعمِّر بيتاً، وهذا يخطِّط على هذه المنطقة وتلك المنطقة، ويتنازعون؛ هذا يقول لقد تقدَّمْتَ على الحدِّ الّذي لي وخرَّبت بيتي، وذاك يقول، وتأتي الموجة، وتجرف كلَّ البيوت، وينطلق الأطفال إلى بيوتهم.. أليس حالنا كحال هؤلاء؟!
أيُّها الأحبَّة، كونوا الواعين لقضاياكم الكبرى، وتعالوا لنجد ماذا هناك، لعلَّنا نعي جيِّداً من خلال هذه الجراحات الَّتي لا تزال تنزف من دمائنا ومصالحنا واقتصادنا منذ خمسين سنة وحتَّى الآن.
ذكرى الاجتياحِ الإسرائيليّ
نلتقي في هذه الأيَّام بالذكرى العشرين للاجتياح الإسرائيلي للبنان في العام 78، والذي جاء بعد أكثر من عدوان على أرضه وشعبه، ما جعل من لبنان ساحة تجربة لأكثر من سلاح جديد على المدنيّين، كانت أمريكا تجرِّب بعض أسلحتها الجديدة في لبنان، كانت تجرّب فينا كثيراً من القنابل العنقوديَّة وغيرها من خلال إسرائيل، وأكثر من مشروع سياسي أمنيّ للفتنة ولحركة الصِّراع في المنطقة، في ساحة التجاذب الدولي، في القضيَّة الفلسطينيَّة التي كانت الحرب اللبنانية في التخطيط الأمريكي لخطَّة هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكيّة الأسبق، كان من نتائجها إنتاج المشروع الإسرائيلي في إسقاط المقاومة الفلسطينيَّة آنذاك.
وهكذا تتابعت الأحداث والمجازر في حرب تصفية الحسابات في تموز 93، وعناقيد الغضب في نيسان 96. وعلينا أن نواجه هذه الذكرى في المرحلة الحاضرة الَّتي تخضع للكثير من التعقيدات السياسيَّة، في مسألة التسوية من جهة، والأزمة العراقيَّة من جهة أخرى، وفي العدوان الأمريكي على أكثر من قضيّة عربيّة وإسلاميّة، لنتوقَّف عند بعض النقاط.
الأولى: إنَّ الوحدة الوطنيَّة الداخليَّة هي السِّلاح الأفضل لإسقاط مخطّطات العدوّ الساعية لإغراق الساحة اللبنانيّة بالخلافات السياسيّة والحساسيات الطائفيّة، لأنَّ ذلك هو السبيل لإبقاء حالة الصّمود الشعبي أمام العدوان، ما يفرض على الجميع الوقوف بقوَّة في ذكرى 14 آذار، بعيداً من كلِّ الهوامش الصغيرة والجزئيات الاستهلاكية، لينطلق الصوت الواحد، وهو صوت التَّحرير في مواجهة الاحتلال.
الثّانية: أن يتذكَّر الشَّعب اللبناني المجازر الَّتي ارتكبها العدوّ في اجتياح العام 78، أو في عدوانيْهِ الجوّيّين في 93 و96، وما بين هذه التَّواريخ من مجازر متفرّقة؛ من حانين، إلى العباسية، إلى سحمر، إلى مجزرة قانا... إنَّ ذلك يشير إلى الكيان المتعطِّش للدّماء في تعامله مع الشعوب الأخرى، ما يفرض علينا وعي المستقبل في المنطقة، باستحالة التَّعايش مع اليهود الَّذين يختزنون الحقد العنصريَّ في داخلهم من ناحية دينيَّة أو واقعيَّة، الأمر الَّذي يجعل من الحديث عن السَّلام معهم، حديث خرافة تاريخيَّة على مستوى المستقبل، كما كان ذلك على مستوى الماضي والحاضر.
الثَّالثة: إنَّ التحالف الأمريكيّ الإسرائيليّ في حركة المنطقة السياسيَّة، لا يزال يفرض نفسه على طبيعة اللّعبة المتمثّلة بالتغطية على جرائم إسرائيل، وفي العمل على إنقاذها من المأزق الَّذي وقعت فيه بفعل ضربات المجاهدين في لبنان، وذلك بإعادة إنتاج القرار 425 بطريقة معقَّدة، تستهدف فرض ترتيبات أمنيَّة قد تمنح إسرائيل جائزةً على عدوانها التَّاريخي، وذلك بالمفاوضات الَّتي قد تنتج اتّفاقاً مهيناً كاتّفاق 17 أيَّار، في الوقت الذي نعرف أنَّ القرار 425 يفرض الانسحاب من دون قيد أو شرط، ما يفرض على اللّبنانيّين والسوريّين معاً، الانتباه إلى طبيعة الخطّة الخبيثة الَّتي تريد إسرائيل أن تدخل من الشبَّاك عندما تخرج من الباب.
إنَّ اللّعبة المزدوجة التي تخوضها أمريكا وإسرائيل، تفرض التأكيد على وحدة الموقف الدَّاخلي، ووحدة الموقف مع سوريا، ودعم المقاومة بكلِّ الإمكانات المتاحة، وصولاً إلى إرغام العدوّ على الانسحاب من دون أن يحقِّق أيَّ هدف من أهدافه المرسومة، لأنَّ ذلك هو الَّذي يلتقي مع دماء الشّهداء ومع معاناة الشَّعب اللبناني، من خلال أكثر من مجزرة وأكثر من عدوان.
إنَّنا نحذِّر الجميع من الصّراع الداخلي لمصلحة العدوّ، أو من خسران النَّصر بالتفرق والاختلاف، وإشاعة أجواء الضّعف والتراجع والانقسام.
لإحياءِ الانتفاضةِ من جديد
وفي موازاة ذلك، لا بدَّ أن نقف عند المجزرة الأخيرة الَّتي ارتكبها جيش العدوّ ضدّ مجموعة من العمَّال الفلسطينيّين، هذه المجزرة الَّتي تدلّ دلالةً واضحةً على الوحشيَّة اليهوديَّة، ما يجعل من فكرة التَّعايش بين العرب واليهود فكرة غير واقعيّة، الأمر الَّذي يفرض إعادة إنتاج الانتفاضة من جديد، بعد سقوط اتفاق أوسلو بكلِّ ملاحقه وتفاصيله، وهو الَّذي راهن عليه فريق التسوية في فلسطين.
المجازرُ في كوسوفو
وليس بعيداً من ذلك، لا نزال نتابع الوضع الدَّامي في إقليم كوسوفو الإسلامي، وما يتعرَّض له الواقع الإسلامي هناك من مذابح وقمع، ونخشى أن تتجدَّد الطَّريقة التي واجه بها الغرب قضيَّة البوسنة والهرسك الَّتي استهدفت منع وجود دولة مسلمة في أوروبّا، حتَّى لو كانت علمانيّة.
إنَّنا ندعو المسلمين جميعاً إلى الوقوف إلى جانب إخوانهم هناك، والتعبير عن الرفض للظّلم الذي يلاقونه، من الصرب تارةً، ومن صمت المحاور الدوليَّة من جهة أخرى، وندعو المؤتمر الإسلامي إلى التحرّك بقوَّة في مواجهة هذا العدوان على المسلمين، ليعرف العالم المستكبر أنَّ المسلمين يمثّلون وحدة إسلاميَّة في مواجهة أيّ عدوان.
فرضُ ضرائبَ جديدةٍ
وأخيراً، نطلُّ على الوضع اللّبناني الدّاخلي، لنلاحظ أنَّنا نسمع في هذه الأيَّام، وبعد الوعود الَّتي رافقت المشاورات الأخيرة باتخاذ آليَّة لمواجهة الواقع الاقتصادي الصَّعب، نسمع حديثاً عن ضرائب جديدة، بينها ضريبة الواحد في المئة على العمل، والضَّرائب المتوقَّعة على البنزين، وإبقاء مسألة الهدر، والفساد الإداري، والضَّياع السياسي، وواقع اللاخطَّة في الواقع اللّبناني، على حالها.
والسؤال الكبير: هل يبقى اللّبنانيّون في داخل الوقت الضَّائع الَّذي ينقلهم من ملهاة إلى ملهاة، ومن نزاع إلى نزاع، لينسى الجميع واقع المأساة السياسية والاقتصادية الَّتي تعيشها الأكثريّة الشعبيَّة الأكثر حرماناً في كلِّ المجالات؟!
* خطبة الجمعة لسماحته، بتاريخ: 13/03/ 1998م.