كتاب "التصوّف الثّورة الروحيَّة في الإسلام"، للمفكّر المصري أبو العلا
عفيفي، الَّذي قضى معظم عمره في البحث والتّحقيق والتّأليف في مجال التصوُّف؛
هذا الكتاب يعدّ من أهمّ المراجع عن الصوفيّة، لما يحويه من تعريف لها،
وإطلالة على نشأتها، ومراحلها، والعوامل المؤثّرة فيها.
فالحياة الروحيّة، كما يقول الكاتب، بلغت أوجها عندما انفتحت على الفكر
الصّوفي العملي، الّذي كان منصّة ضرورية للإطلالة على ما عند الدّيانات
الأخرى من نقاط مشتركة على الصعيد الديني والروحي. وليس هذا وحسب، بل شكّل
التصوّف حالة تمرّد ورفض للوضع السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ المنحرف.
كذلك، شكّل سدّاً منيعاً في وجه الظّلم والاضطهاد والقهر الّذي مارسه البعض
باسم الشرعيّة.
ويعتبر العلامة عفيفي أنَّ الزّهد كان بداية انطلاقة التصوّف، وأتى
كردّ فعل طبيعي على مظاهر البذخ والثّراء الفاحش والإقطاعيّة السياسيّة
والدينيّة الظالمة، وشكّل مدخلاً مهمّاً لثورة المسلمين الروحية، وصولاً
إلى التصوّف بشكله الواضح والنهائي.
هذه الثورة ضدّ الظّلم، بحسب عفيفي، كان أحدَ روّادها البارزين أبو
ذر الغفاري؛ الصحابي الجليل الذي ثار على ظلم بني أمية واستئثارهم، وبوجه
خاص، معاوية، حيث خاطبه قائلاً: "أين أموال المسلمين يا معاوية؟"، حتّى
لقّب بالاشتراكي الأوّل عند البعض! وكان أيضاً من الأتقياء الذين جاهدوا
أنفسهم في وجه مباهج الدّنيا وشهواتها، فكانت بداية رحلة رياضة النفس ومجاهدتها،
والتي أضحت مدرسة وطريقة لدى المتصوّفة فيما بعد.
ويشير عفيفي إلى أنَّ أبا ذرّ، المتوفّى العام 32 هجريّة، كان قد دعا
إلى إقامة حياة اشتراكيّة عادلة في حدود تعاليم الدين الإسلامي. ويذهب
عفيفي إلى القول إن التصوف هو نتاج الإسلام الديني والعقلي، وليس جسماً
غريباً عنه أو تراثاً خارجياً، لا بل أكثر من ذلك، إذ كان من صميم الإسلام
الصافي الثائر على النظام السياسي والاجتماعي الظالم في القرن الأول الهجري،
ومحاولة لإعادة الأصالة والحرية إلى النفوس المقموعة والمكبوتة جرّاء الأحداث
والفتن.
وفي عرضه للتصوّف الإسلامي والعالمي، يرى المؤلّف أنَّ التصوّف في حقيقته
هو نتاج روحي إنساني، يرتفع فوق لغة الزمان، أو المكان، أو القومية، أو
حدود اللغة، والقوالب الفلسفية والعقلية، لأنه تجربة فردية صافية وباطنية
نفسية، لا يحيط بها إلا صاحبها، وتجتمع هذه التجارب الفردية لتشكّل ظاهرة
إنسانيَّة فريدة وغنيَّة ومميّزة، تنفتح على كثير من التأويلات والتفسيرات.
الإنسان الصّوفي هو المتجاوز لعوالم الحسّ ودنيا الشّهوات والأهواء،
فقلبه وعقله يحكمهما النقاء والصفاء، حتى يصبح مخلوقاً روحياً صافياً تشرق
عليه أنوار الحقّ والحقيقة، ويخلد في عالم الفناء في الذّات الإلهيّة.
كما يعتبر عفيفي أنَّ التصوّف جاء لإشباع العاطفة الدّينيّة لدى المسلمين،
والتي لم يجدوها أو يتفاعلوا معها، من خلال الفقه الإسلامي وعلم الكلام،
ويرفض ما يحاول البعض تصويره من أنَّ التصوّف نوع من "الزفانا" الهنديّة،
لأنَّ الزّفانا ظاهرة سلبيّة محضة، وفكرة متفرّعة عن مذهب تشاؤميّ شامل.
في الخلاصة، إنّ التصوّف، في رأي عفيفي، ثورة صادقة شاملة على النظرة
التقليديّة إلى قضايا الإنسان والحياة، وقد أبرز الإسلام من خلال التصوّف
مفاهيمه الروحية الصّافية بكلّ جرأة ورقيّ.
كتاب مرجعي عن التصوّف، غني بمباحثه وأفكاره، في زمنٍ تقبل الدّنيا
بقوّة بمباهجها ومادياتها، وسط تراجعٍ روحي وأخلاقي وإنساني...
إن الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبِّر بالضرورة عن رأي الموقع
، وإنما عن رأي صاحبه .

كتاب "التصوّف الثّورة الروحيَّة في الإسلام"، للمفكّر المصري أبو العلا
عفيفي، الَّذي قضى معظم عمره في البحث والتّحقيق والتّأليف في مجال التصوُّف؛
هذا الكتاب يعدّ من أهمّ المراجع عن الصوفيّة، لما يحويه من تعريف لها،
وإطلالة على نشأتها، ومراحلها، والعوامل المؤثّرة فيها.
فالحياة الروحيّة، كما يقول الكاتب، بلغت أوجها عندما انفتحت على الفكر
الصّوفي العملي، الّذي كان منصّة ضرورية للإطلالة على ما عند الدّيانات
الأخرى من نقاط مشتركة على الصعيد الديني والروحي. وليس هذا وحسب، بل شكّل
التصوّف حالة تمرّد ورفض للوضع السياسيّ والاقتصاديّ والاجتماعيّ المنحرف.
كذلك، شكّل سدّاً منيعاً في وجه الظّلم والاضطهاد والقهر الّذي مارسه البعض
باسم الشرعيّة.
ويعتبر العلامة عفيفي أنَّ الزّهد كان بداية انطلاقة التصوّف، وأتى
كردّ فعل طبيعي على مظاهر البذخ والثّراء الفاحش والإقطاعيّة السياسيّة
والدينيّة الظالمة، وشكّل مدخلاً مهمّاً لثورة المسلمين الروحية، وصولاً
إلى التصوّف بشكله الواضح والنهائي.
هذه الثورة ضدّ الظّلم، بحسب عفيفي، كان أحدَ روّادها البارزين أبو
ذر الغفاري؛ الصحابي الجليل الذي ثار على ظلم بني أمية واستئثارهم، وبوجه
خاص، معاوية، حيث خاطبه قائلاً: "أين أموال المسلمين يا معاوية؟"، حتّى
لقّب بالاشتراكي الأوّل عند البعض! وكان أيضاً من الأتقياء الذين جاهدوا
أنفسهم في وجه مباهج الدّنيا وشهواتها، فكانت بداية رحلة رياضة النفس ومجاهدتها،
والتي أضحت مدرسة وطريقة لدى المتصوّفة فيما بعد.
ويشير عفيفي إلى أنَّ أبا ذرّ، المتوفّى العام 32 هجريّة، كان قد دعا
إلى إقامة حياة اشتراكيّة عادلة في حدود تعاليم الدين الإسلامي. ويذهب
عفيفي إلى القول إن التصوف هو نتاج الإسلام الديني والعقلي، وليس جسماً
غريباً عنه أو تراثاً خارجياً، لا بل أكثر من ذلك، إذ كان من صميم الإسلام
الصافي الثائر على النظام السياسي والاجتماعي الظالم في القرن الأول الهجري،
ومحاولة لإعادة الأصالة والحرية إلى النفوس المقموعة والمكبوتة جرّاء الأحداث
والفتن.
وفي عرضه للتصوّف الإسلامي والعالمي، يرى المؤلّف أنَّ التصوّف في حقيقته
هو نتاج روحي إنساني، يرتفع فوق لغة الزمان، أو المكان، أو القومية، أو
حدود اللغة، والقوالب الفلسفية والعقلية، لأنه تجربة فردية صافية وباطنية
نفسية، لا يحيط بها إلا صاحبها، وتجتمع هذه التجارب الفردية لتشكّل ظاهرة
إنسانيَّة فريدة وغنيَّة ومميّزة، تنفتح على كثير من التأويلات والتفسيرات.
الإنسان الصّوفي هو المتجاوز لعوالم الحسّ ودنيا الشّهوات والأهواء،
فقلبه وعقله يحكمهما النقاء والصفاء، حتى يصبح مخلوقاً روحياً صافياً تشرق
عليه أنوار الحقّ والحقيقة، ويخلد في عالم الفناء في الذّات الإلهيّة.
كما يعتبر عفيفي أنَّ التصوّف جاء لإشباع العاطفة الدّينيّة لدى المسلمين،
والتي لم يجدوها أو يتفاعلوا معها، من خلال الفقه الإسلامي وعلم الكلام،
ويرفض ما يحاول البعض تصويره من أنَّ التصوّف نوع من "الزفانا" الهنديّة،
لأنَّ الزّفانا ظاهرة سلبيّة محضة، وفكرة متفرّعة عن مذهب تشاؤميّ شامل.
في الخلاصة، إنّ التصوّف، في رأي عفيفي، ثورة صادقة شاملة على النظرة
التقليديّة إلى قضايا الإنسان والحياة، وقد أبرز الإسلام من خلال التصوّف
مفاهيمه الروحية الصّافية بكلّ جرأة ورقيّ.
كتاب مرجعي عن التصوّف، غني بمباحثه وأفكاره، في زمنٍ تقبل الدّنيا
بقوّة بمباهجها ومادياتها، وسط تراجعٍ روحي وأخلاقي وإنساني...
إن الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبِّر بالضرورة عن رأي الموقع
، وإنما عن رأي صاحبه .