عندما تقرأ لشاعر الهند والعالم "طاغور"، تتحسّس في شعره قضايا الرّوح والأخلاق والإنسان بعمق، وتشعر بالرّوح المحلِّقة في عوالم الخشوع والتقرّب إلى الله. وفي هذا الإطار، صدر كتاب عن الهيئة المصريّة العامّة للكتّاب، في 230 صفحة، للكاتبة "سهيلة الحسيني"، تركّز فيه على الجانب الإيماني العميق لـ"طاغور"؛ صاحب النزعة الإسلاميّة، وتقول عن ذلك: "لقد وجدت في طاغور نزعة إسلاميّة، فهو في روحه وقلبه وتعامله مع الإنسان، مسلم صوفي من الطّراز الرّفيع"، وتورد بعض نماذج شعره، الّتي هي عبارة عن مناجاته؛ هذه المناجاة الّتي توضح مدى العشق الإلهيّ المعبِّر عن ذات أصيلة رقيقة الطّبع والمشاعر:
"ربّاه/ يا ملك السموات/ لقد أفعمت قلبي بحبّك/ وتجلّيت لي بقربك/ ربّاه/ لو لم أكن موجوداً/ فأين يتجلّى حبُّك؟".
إنّها المشاعر الإيمانيَّة الإنسانيَّة، الَّتي تكتفي بمناجاة الإنسان المسلم في انفتاح فكره ومشاعره على خالقه، يقول طاغور: "بلى أنا أعرفك كربٍّ لي"، وفي صلاته يقول: "هذه صلاتي إليك يا مولاي/ اضرب جذور ذلك الفقر في قلبي".
وعن إقراره بالوحدانيّة، يقول: "يا ربّ/ أيّ شيء يا إلهي/ يكون من تلك الكأس الطّافحة/ كأس حياتي".
لقد اهتدى طاغور بحسِّه المرهف وفطرته، إلى توحيد الله في كلّ شيء، فهو عرف عظيم صنع الله في كلّ الموجودات.
هذا وترك اطّلاع طاغور على كتاب الوحي "القرآن"، أثراً كبيراً في ثقافته وأفكاره ومشاعره التوحيديّة، فانطلق شاعراً يستلهم كلّ الكون في أشعاره، بلغة إنسانيّة انسيابيّة وصوفيّة توحيديّة رائعة.
فالتصوّف لديه ليس طقوساً ورسوماً فارغة، بل تدرّجاً روحيّاً وأخلاقيّاً في اكتشاف أسرار الله تعالى في خلقه، حيث يتفاعل الإنسان مع غيره بالشّكل الإيجابي الّذي يتقرّب به إلى الله.
لقد سار طاغور في طريق القلب والعقل والرّوح، نابذاً كلّ الخرافات، من هنا، جاء رفضه لأفكار "البوذيّة" الّتي تصدم العقل، ولا تتوافق مع التوحيد، فقلبه وعقله وروحه تسير به إلى غاية واحدة، هي الانفتاح على الخالق الأوحد، والصّانع المدبّر لهذا الوجود.
ليس طاغور، كما تقول الكاتبة، صاحب أسلوب غامض ومعقّد في إبراز مشاعره وأفكاره، فقد كان مثال الأديب والفيلسوف الّذي يحرِّك سواكن الحسّ في تأمّلات هادفة رفيعة ناطقة بلسان المؤمن الموقن:
"حفنة من التراب/ كانت تخفي عنّي إشارتك/ حين كنت لا أفقه معناها/
أمّا الآن، وقد صرت أعقل وأفهم/ فإني أقرأها في كلّ ما كان يخفيها/
إنها مرسومة على أفواف الزّهر/ لقد حنيتُ وجهي عنك/ فأسأت قراءة رسائلك/ ولم أفهمها!".
يرى طاغور أنّ إبداع الله تعالى يتجلّى في كلّ شيء، وكلّها آيات ليمعن الإنسان النظر فيها، ويقرأها جيّداً بالشّكل الّذي يرتفع بمشاعره، ويسمو بروحه، ويفتح آفاق فكره وعقله، فطاغور، كما قلنا، متأثِّر بما قرأه أو سمعه من حديث القرآن الكريم عن خلق الإنسان والوجود.
وعن سبيل المعرفة والهداية البعيدة عن قوالب العقل والمنطق، يقول طاغور:
"ستدوم رحلتي كثيراً/ وإنّ الطّريق الّتي أمامي لطويلة/ إنّ عينيّ تجولان بعيداً/
قبل أن أغمضهما وأقول.. ها أنت.. هنا/ تخلد نحو سكينة القلب والرّوح/ مع الإيمان والدّين والفطرة!".
وتبلغ الرّوعة في التعبير عند طاغور حدّاً عالياً ورفيعاً، حيث يقول:
"طوال أعوام عديدة/ وبثمن باهظ/ جُبتُ مختلف البلدان/ وذهبت لمشاهدة المحيطات/ ولكن لم أفطن/ إلى قطرة النّدى المتألّقة/ فوق سنبلة القمح/ أمام عتبة بابي/ يا مولاي".
ويعزّي طاغور نفسه، فلحظة عبور النفس إلى الحقّ بعد المعاناة، هي الفرح الحقيقيّ والحياة الباقية للخلود في الفردوس الأعلى: "أيّها القلب المسكين/ فلتفرح إن أيّاماً أخرى سوف تأتي/ لقد أزفت السّاعة ـ أيّها الحاج المسافر/ وجاءت اللّحظة التي تعبر فيها/ مفترق الطّريق نحو الحقيقة".
أشعار طاغور ذات مضامين إيمانيّة وإنسانيّة عميقة ورائعة، وذات غايات أخلاقيّة وروحيّة عالية، وذات رسالة هادفة إلى بناء الإنسان وتحريك روحه وعقله ومشاعره نحو التّوحيد الخالص، في دعوته لقراءة كتاب الوحي عبر كتاب الكون والوجود...
إن الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبِّر بالضرورة عن رأي الموقع ، وإنما عن رأي صاحبه .