الولادة والنشأة والدراسة

السيّد محمد حسين فضل الله
 
الولادة والنشأة والدراسة
 وُلد سماحة المرجع الإسلاميّ الرّاحل، السيّد محمد حسين فضل الله(رض)، في مدينة النّجف الأشرف العام 1354هـ/ الموافق 1935 ميلاديّة .

والده: العالم الربّاني والمجتهد العامل السيّد عبد الرؤوف فضل الله(قده) ، الّذي كان من أكابر علماء جبل عامل.

والدته: كريمة الحاج حسن بزّي، الّذي يُعتبر من الوجوه الخيِّرة المؤمنة في بلدة بنت جبيل ـ جنوب لبنان.

عائلته: (آل فضل الله)، معروفة بالعلم والأدب والفكر، وينتهي نسبها إلى الإمام الحسن  بن علي بن أبي طالب(ع). انظر شجرة العائلة
كانت العائلة تتطلَّع إلى ولادته بشغف، وكانت علامات النشاط والذّكاء باديةً عليه منذ الطّفولة.

وقد نقل عن والدته ـ رحمها الله ـ  أنها " أجهضت ولدين قبل مجيئه، لكنّها قبل أن تحمل به، ذهبت إلى مقام الإمام الحسين(ع)، وهناك دعت الله سبحانه وتعالى متوسّلةً بالحسين(ع) أن تنجب ولداً، وستسمّيه محمد حسين أو اسماً آخر فيه الحسين(ع)، وكان أن حملت بهذا الولد الّذي توسّمت فيه العائلة كلّها خيراً".

يذكر أنّ المرحوم المقدّس السيّد محمد سعيد فضل الله، وهو (عمّ المرجع الرّاحل)، والّذي كان يعدّ من العلماء الكبار في ذلك الوقت، كان يقول إنّ هذا الفتى ( يقصد به سماحة السيّد فضل الله (رض))، سيكون له شأن عظيم، وسيرفع من اسمه واسم عائلته عالياً.

النّشأة والدّراسة
عاش سماحة المرجع السيّد فضل الله(رض) مرحلة الطّفولة الأولى في مدينة النّجف الأشرف المقدّسة، "الّتي اكتسبت قداستها من وجود مقام الإمام عليّ بن أبي طالب(ع) فيها، ما جعلها مقصداً لكلّ الزّائرين من سائر أنحاء العالم للتبرّك بالمقامات الشّريفة، ومن خلال أنّها تحتضن الحوزة العلميّة الّتي ترقى إلى أكثر من ألف سنة، والّتي يقصدها طلاب العلم من سائر أقطار العالم الإسلاميّ، للدّراسة فيها دراسات إسلاميّة على أساس المذهب الشيعيّ الإماميّ".

بدأ سماحته الدّرس في "الكتاتيب" ، حيث كان الدّخول إلى المدرسة، حينها، من الأمور المستنكرة، باعتبار أنّها نتاج الغرب، واجتاز فيها مرحلة قراءة القرآن الكريم، وتعلُّم القراءة والكتابة، وبعض قواعد الحساب البسيطة.

 ويتحدّث سماحة السيّد(رض) عن هذه المرحلة فيقول: أتذكّر عندما أدخلت إلى "الكتاتيب" الّتي كان يشرف عليها بعض الشّيوخ الكبار في السّنّ، من أجل تعليم القراءة والكتابة وتعليم القرآن، وقد اختزلت في داخل نفسي الحالة السلبيّة العنيفة ضدّ هذا الأسلوب في التّربية والتّعليم، لأنّه كان أسلوباً عنيفاً يحطّم نفسيّة الطّالب الطّفل عندما يخطئ خطأً بسيطاً، فيضعه الشّيخ في "الفلقة"، ويبدأ ضربه تحت عيون رفاقه من الطلاب، حيث تتحطّم نفسيّته، إضافةً إلى تحطّم حالته الجسديّة، كما أنّ الطّريقة التقليديّة الّتي كانت تمارس، لا تستطيع أن تعطي الطّالب انفتاحاً في هذا المجال.

وكنّا نلاحظ أنّ الشّيخ الّذي يشرف على هذا الكتّاب أو ذاك، يعمل على تفضيل بعض الطلاب على الآخرين، لأنّ هذا من عائلة فقيرة، وذاك من عائلة غنيّة أو من عائلة الوجهاء، ما كان يثقل روحيّة الطلاب".

ثم انتقل سماحته بعد الكتاتيب، الّتي مكث فيها فترة وجيزة، إلى مدرسة عصريّة أنشأتها جمعيّة" منتدى النّشر"، ولعلّه كان في نظر إدارة تلك المدرسة، بحسب ما يذكر، قادراً على أن يكون في الصّفّ الثّالث، على أساس أنّ معلوماته كانت جيّدة، وتؤهّله لاجتياز الصفّ الأوّل والثّاني إلى الثّالث، وكان طالباً جيّداً، واستطاع النّجاح إلى الصفّ الرابع، ومنه خرج من المدرسة لمتابعة الدّراسة الدينيّة باكراً وهو في سنِّ التاسعة، على يد أستاذه الأوّل والده المقدّس السيّد عبد الرّؤوف فضل الله(قده)، في دراسة الموادّ الحوزويّة؛ من النّحو، والبلاغة، والمنطق، والأصول والفقه.

وما يلفت في هذه المرحلة، شدَّة نهمه للمعرفة وحبّ المطالعة والثّقافة، مع ما تميّز به من ذهنيّة متَّقدة، وذكاء حادّ. فمثلاً، كان في هذه السنّ ـ الحادية عشرة ـ يدرس كتاب "قطر النّدى"، وهو أوّل كتاب في النّحو، ومن المعروف أنّ مصطلحاته لا يستطيع أن يتحمّلها ولد في هذه السنّ، فكان سماحته(رض) يستوعبه بشكلٍ جيّد، وبحسب سماحته(رض)، لم تتح له الظّروف أن يستمتع بعبث الطّفولة ولهوها ولعبها.

ومنذ ذلك الحين، بدأت آفاقه ومداركه تتَّسع خارج الدّرس الدّينيّ، عبر قراءته المبكرة للمجلات والصّحف العربيّة والمؤلفات الأدبية، والّتي كان يصدرها أدباء وكتَّاب مشهورون، " كحسن الزيات" و"طه حسين"، ومنها مجلّة (المصري) ومجلّة (الرسالة)، وكان يقرأ ترجمات كثيرة لأشعار لامارتين، وأناتول فرانس...

هذا وقد تابع سماحته(رض) الدّرس الدّينيّ العالي (لبحث الخارج) على يد علماء كبار، كالسيّد "أبو القاسم الخوئي"، والسيّد محسن الحكيم، (وهو خال والدته)، والّذي كانت حركة مرجعيّته منفتحةً على الواقع الإسلاميّ العام، في الوقت الّذي كانت أغلب المرجعيّات تعيش في دائرة مغلقة خاصّة.

ومن أساتذته، السيّد محمود الشّاهرودي، والشّيخ حسين الحلّي ، والملاَّ صدرا القفقازي ، ومن أساتذته أيضاً، عمُّه السيّد محمد سعيد فضل الله، والّذي كان من المجتهدين الكبار في النّجف الأشرف، وترك عظيم الأثر في شخصيّته بعد والده.
وفي هذا السّياق، كان سماحته(رض) قد صرَّح بذلك قائلاً: لقد تأثّرت كثيراً في النّجف الأشرف بشخصيّتين لا أزال أحمل لهما المشاعر العميقة في احترام علمهما، واحترام استقامتهما وسلوكهما، وابتعادهما عن كلِّ مظاهر الجاه؛ وهما المغفور له والدي، والمغفور له عمّي السيّد محمد سعيد فضل الله، وكان من المجتهدين الكبار في النّجف الأشرف، وكان محلّ ثقة النّجف كلّها في علمه وزهده وتقواه، وكان مرشّحاً للمرجعيّة في النّجف، لكنه رفض ذلك لزهده في الدّنيا، ومات ودفن في النّجف الأشرف.

وفي بداية حركته الأدبيّة والعلميّة، تعاون سماحته(رض)، وكان في سنِّ الحادية عشرة، مع الشّهيد السيّد محمد مهدي الحكيم، ابن المرجع الدّيني السيّد محسن الحكيم(قده)، بإصدار مجلّة "الأدب".

إضافةً إلى هذا النّشاط الأدبيّ، لمعت شاعريّة سماحته(رض) في وقت مبكر، ونظم أولى قصائده وهو في العاشرة من عمره، وكان منفتحاً على الأجواء الثّقافيّة والسياسيّة، ما انعكس على شخصيّته مستقبلاً كعالم مصلح، وأديب شاعر، ومجتهد مبدع.
ويتحدّث سماحته عن الحياة في النّجف وذكرياته فيها، فيقول: لقد عشنا في النّجف، وهي مدينة تعيش على كتف الصّحراء، ولكنّ هناك نهراً يمتدّ من الكوفة، ومن منطقة أخرى إلى النّجف، فيمنح هذه البقعة الاخضرار، ويفسح المجال لزراعة النّخيل والأشجار المثمرة، وبذلك استطاع هذا النّهر الصّغير أن يهيّئ الجوّ لإيجاد بساتين ممتدّة إلى مدى معيّن.

وكنّا نخرج مع أهلنا ونحن في سنّ الطّفولة، أيّام العطل الدّراسيّة الّتي كانت عادةً يومي الخميس والجمعة، الّتي يأخذها طلاب العلم الدّينيّ، إضافةً إلى مناسبات وفيات الأئمّة ومواليدهم، كنّا نخرج إلى هناك لنلتقي بالخضرة في هذه المنطقة بالذّات، وهي تبعد عن النّجف حوالى خمسة كيلومترات...

إنّ هذه الأجواء هي الّتي جعلتنا نلتقي بالخضرة في كلّ هذا الجوّ الصّحراويّ، ولا أزال أذكر أنّنا أمام هذه الأجواء المنفتحة على الخضرة، كنّا نعيش أجواء مختنقة عندما كانت تثور الرّياح الموسميّة أيّام الرّبيع، فبدل أن يعطينا الرّبيع انتعاشاً، كان الغبار يسدّ الأفق بين وقت وآخر، بشكل لا يمكن للإنسان أن يبصر طريقه.

وكنّا نضطرّ في ذلك الوقت للنزول إلى السّراديب، وهي أماكن في جوف الأرض يحفرها النّاس، حتّى يأخذوا منها شيئاً من الرّطوبة، باعتبار أنّ شدّة الحرارة وشدّة الجفاف في تلك المنطقة الصحراويّة، الّتي كانت تصل فيها الحرارة إلى أكثر من خمسين درجة أيّام الصّيف، جعلت النّاس يلجأون إلى هذه السّراديب الّتي يجدون فيها بعض الهواء المتعفّن المحتبس، لأنّ النّوافذ المفتوحة على الشّمس قليلة جدّاً... ".

كما يتحدث المرجع الراحل، عن ولادته والبيت الذي نشأ به: " ولدتُ في النجف الأشرف، العراق، لأن والدي آية الله عبد الرؤوف فضل الله ـ رحمه الله ـ مكث في النجف مدةً تقارب الثلاثين عاماً، للدراسة والتدريس. في بيتٍ بائسٍ فقير، لأن أوضاع الوالد المادية كانت صعبةً جداً، فقد كان يملك نفساً أبيّةً أثقلت ظروفه حيث كان لا يتنازل للجهات النافذة في الوسط الديني والتي كانت مساعداتها تفرض على الإنسان أحياناً بعض التنازلات من كرامته أو من مواقفه، ولذلك كان مثقلاً بالديون".
ويتابع :  "نشأت في هذا المناخ البائس، حتى كنّا عند الإصابة بالمرض (أنا وأخوتي) نؤخذ إلى طبيبٍ هو أقرب إلى الطبيب العربي أو الهندي التقليدي، لأن من الصعب مادياً أن نؤخذ إلى مستشفى، وربما كان مستشفى النجف أقرب إلى المستوصف للإهمال الذي كانت النجف تواجهه آنذاك. وقد كنا نتداوى بالطبّ العربي، حتى إني أذكر أني عند إصابتي بالحصبة في طفولتي الأولى  بقيتُ مدة أشهر حتى شُفيت، لأن طبيعة المعالجة كانت بسيطة ولم تكن حديثة..".

أما عن البيت الذي عاش طفولته فيه فيصفه بأنه " كان يتميّز بأنه بيتٌ في دهليزٍ مظلم، ومؤلّف من ثلاث غرف مع مطبخ بائس، وكان في صحنِ الدار حوضٌ للماء الذي كان مالحاً، فالبئرُ يخدم حاجياتنا.. وقد كان للبيت سردابٌ ينزل الناس إليه في أيام الصيف للتبرّد نهاراً، وأذكر أنه كان هناك نوافذ تُطل على البئر رغبةً في الهواء البارد الآتي من خلال الآبار التي كانت مفتوحة على بعضها البعض في النجف. وأما ليلاً فقد كنا ننام على السطوح لشدة الحر، وقد كنا نستضيء بالفوانيس، لأن الكهرباء لم تكن موجودة عندنا.

ويصف سماحته علاقته بوالده بأنها كانت "علاقةً لا أزال دائماً أشعر بإنسانيتها، لم أذكر أنه ضربني في كل تاريخ حياتي منذ الطفولة الأولى، فقد كانت طريقته في تأديبي إذا قمتُ بما لا يرضيه أن يحدّق بي تحديقاً أشعر فيه بالغضب فيثقلني ذلك فأتراجع.

هكذا كانت طفولتي وطفولة إخوتي ونحن خمسة ذكور وخمس إناث عدا الذين ماتوا مبكّرين، وأنا أكبرهم ليبدأ في خط الدراسة أو التربية أو المسؤولية.
ولقد كنتُ في طفولتي لا أخلو من المشاغبة، ولكن الأمر لم يصل معي إلى درجة "العفرتة".
 
 
 
 
الولادة والنشأة والدراسة
 وُلد سماحة المرجع الإسلاميّ الرّاحل، السيّد محمد حسين فضل الله(رض)، في مدينة النّجف الأشرف العام 1354هـ/ الموافق 1935 ميلاديّة .

والده: العالم الربّاني والمجتهد العامل السيّد عبد الرؤوف فضل الله(قده) ، الّذي كان من أكابر علماء جبل عامل.

والدته: كريمة الحاج حسن بزّي، الّذي يُعتبر من الوجوه الخيِّرة المؤمنة في بلدة بنت جبيل ـ جنوب لبنان.

عائلته: (آل فضل الله)، معروفة بالعلم والأدب والفكر، وينتهي نسبها إلى الإمام الحسن  بن علي بن أبي طالب(ع). انظر شجرة العائلة
كانت العائلة تتطلَّع إلى ولادته بشغف، وكانت علامات النشاط والذّكاء باديةً عليه منذ الطّفولة.

وقد نقل عن والدته ـ رحمها الله ـ  أنها " أجهضت ولدين قبل مجيئه، لكنّها قبل أن تحمل به، ذهبت إلى مقام الإمام الحسين(ع)، وهناك دعت الله سبحانه وتعالى متوسّلةً بالحسين(ع) أن تنجب ولداً، وستسمّيه محمد حسين أو اسماً آخر فيه الحسين(ع)، وكان أن حملت بهذا الولد الّذي توسّمت فيه العائلة كلّها خيراً".

يذكر أنّ المرحوم المقدّس السيّد محمد سعيد فضل الله، وهو (عمّ المرجع الرّاحل)، والّذي كان يعدّ من العلماء الكبار في ذلك الوقت، كان يقول إنّ هذا الفتى ( يقصد به سماحة السيّد فضل الله (رض))، سيكون له شأن عظيم، وسيرفع من اسمه واسم عائلته عالياً.

النّشأة والدّراسة
عاش سماحة المرجع السيّد فضل الله(رض) مرحلة الطّفولة الأولى في مدينة النّجف الأشرف المقدّسة، "الّتي اكتسبت قداستها من وجود مقام الإمام عليّ بن أبي طالب(ع) فيها، ما جعلها مقصداً لكلّ الزّائرين من سائر أنحاء العالم للتبرّك بالمقامات الشّريفة، ومن خلال أنّها تحتضن الحوزة العلميّة الّتي ترقى إلى أكثر من ألف سنة، والّتي يقصدها طلاب العلم من سائر أقطار العالم الإسلاميّ، للدّراسة فيها دراسات إسلاميّة على أساس المذهب الشيعيّ الإماميّ".

بدأ سماحته الدّرس في "الكتاتيب" ، حيث كان الدّخول إلى المدرسة، حينها، من الأمور المستنكرة، باعتبار أنّها نتاج الغرب، واجتاز فيها مرحلة قراءة القرآن الكريم، وتعلُّم القراءة والكتابة، وبعض قواعد الحساب البسيطة.

 ويتحدّث سماحة السيّد(رض) عن هذه المرحلة فيقول: أتذكّر عندما أدخلت إلى "الكتاتيب" الّتي كان يشرف عليها بعض الشّيوخ الكبار في السّنّ، من أجل تعليم القراءة والكتابة وتعليم القرآن، وقد اختزلت في داخل نفسي الحالة السلبيّة العنيفة ضدّ هذا الأسلوب في التّربية والتّعليم، لأنّه كان أسلوباً عنيفاً يحطّم نفسيّة الطّالب الطّفل عندما يخطئ خطأً بسيطاً، فيضعه الشّيخ في "الفلقة"، ويبدأ ضربه تحت عيون رفاقه من الطلاب، حيث تتحطّم نفسيّته، إضافةً إلى تحطّم حالته الجسديّة، كما أنّ الطّريقة التقليديّة الّتي كانت تمارس، لا تستطيع أن تعطي الطّالب انفتاحاً في هذا المجال.

وكنّا نلاحظ أنّ الشّيخ الّذي يشرف على هذا الكتّاب أو ذاك، يعمل على تفضيل بعض الطلاب على الآخرين، لأنّ هذا من عائلة فقيرة، وذاك من عائلة غنيّة أو من عائلة الوجهاء، ما كان يثقل روحيّة الطلاب".

ثم انتقل سماحته بعد الكتاتيب، الّتي مكث فيها فترة وجيزة، إلى مدرسة عصريّة أنشأتها جمعيّة" منتدى النّشر"، ولعلّه كان في نظر إدارة تلك المدرسة، بحسب ما يذكر، قادراً على أن يكون في الصّفّ الثّالث، على أساس أنّ معلوماته كانت جيّدة، وتؤهّله لاجتياز الصفّ الأوّل والثّاني إلى الثّالث، وكان طالباً جيّداً، واستطاع النّجاح إلى الصفّ الرابع، ومنه خرج من المدرسة لمتابعة الدّراسة الدينيّة باكراً وهو في سنِّ التاسعة، على يد أستاذه الأوّل والده المقدّس السيّد عبد الرّؤوف فضل الله(قده)، في دراسة الموادّ الحوزويّة؛ من النّحو، والبلاغة، والمنطق، والأصول والفقه.

وما يلفت في هذه المرحلة، شدَّة نهمه للمعرفة وحبّ المطالعة والثّقافة، مع ما تميّز به من ذهنيّة متَّقدة، وذكاء حادّ. فمثلاً، كان في هذه السنّ ـ الحادية عشرة ـ يدرس كتاب "قطر النّدى"، وهو أوّل كتاب في النّحو، ومن المعروف أنّ مصطلحاته لا يستطيع أن يتحمّلها ولد في هذه السنّ، فكان سماحته(رض) يستوعبه بشكلٍ جيّد، وبحسب سماحته(رض)، لم تتح له الظّروف أن يستمتع بعبث الطّفولة ولهوها ولعبها.

ومنذ ذلك الحين، بدأت آفاقه ومداركه تتَّسع خارج الدّرس الدّينيّ، عبر قراءته المبكرة للمجلات والصّحف العربيّة والمؤلفات الأدبية، والّتي كان يصدرها أدباء وكتَّاب مشهورون، " كحسن الزيات" و"طه حسين"، ومنها مجلّة (المصري) ومجلّة (الرسالة)، وكان يقرأ ترجمات كثيرة لأشعار لامارتين، وأناتول فرانس...

هذا وقد تابع سماحته(رض) الدّرس الدّينيّ العالي (لبحث الخارج) على يد علماء كبار، كالسيّد "أبو القاسم الخوئي"، والسيّد محسن الحكيم، (وهو خال والدته)، والّذي كانت حركة مرجعيّته منفتحةً على الواقع الإسلاميّ العام، في الوقت الّذي كانت أغلب المرجعيّات تعيش في دائرة مغلقة خاصّة.

ومن أساتذته، السيّد محمود الشّاهرودي، والشّيخ حسين الحلّي ، والملاَّ صدرا القفقازي ، ومن أساتذته أيضاً، عمُّه السيّد محمد سعيد فضل الله، والّذي كان من المجتهدين الكبار في النّجف الأشرف، وترك عظيم الأثر في شخصيّته بعد والده.
وفي هذا السّياق، كان سماحته(رض) قد صرَّح بذلك قائلاً: لقد تأثّرت كثيراً في النّجف الأشرف بشخصيّتين لا أزال أحمل لهما المشاعر العميقة في احترام علمهما، واحترام استقامتهما وسلوكهما، وابتعادهما عن كلِّ مظاهر الجاه؛ وهما المغفور له والدي، والمغفور له عمّي السيّد محمد سعيد فضل الله، وكان من المجتهدين الكبار في النّجف الأشرف، وكان محلّ ثقة النّجف كلّها في علمه وزهده وتقواه، وكان مرشّحاً للمرجعيّة في النّجف، لكنه رفض ذلك لزهده في الدّنيا، ومات ودفن في النّجف الأشرف.

وفي بداية حركته الأدبيّة والعلميّة، تعاون سماحته(رض)، وكان في سنِّ الحادية عشرة، مع الشّهيد السيّد محمد مهدي الحكيم، ابن المرجع الدّيني السيّد محسن الحكيم(قده)، بإصدار مجلّة "الأدب".

إضافةً إلى هذا النّشاط الأدبيّ، لمعت شاعريّة سماحته(رض) في وقت مبكر، ونظم أولى قصائده وهو في العاشرة من عمره، وكان منفتحاً على الأجواء الثّقافيّة والسياسيّة، ما انعكس على شخصيّته مستقبلاً كعالم مصلح، وأديب شاعر، ومجتهد مبدع.
ويتحدّث سماحته عن الحياة في النّجف وذكرياته فيها، فيقول: لقد عشنا في النّجف، وهي مدينة تعيش على كتف الصّحراء، ولكنّ هناك نهراً يمتدّ من الكوفة، ومن منطقة أخرى إلى النّجف، فيمنح هذه البقعة الاخضرار، ويفسح المجال لزراعة النّخيل والأشجار المثمرة، وبذلك استطاع هذا النّهر الصّغير أن يهيّئ الجوّ لإيجاد بساتين ممتدّة إلى مدى معيّن.

وكنّا نخرج مع أهلنا ونحن في سنّ الطّفولة، أيّام العطل الدّراسيّة الّتي كانت عادةً يومي الخميس والجمعة، الّتي يأخذها طلاب العلم الدّينيّ، إضافةً إلى مناسبات وفيات الأئمّة ومواليدهم، كنّا نخرج إلى هناك لنلتقي بالخضرة في هذه المنطقة بالذّات، وهي تبعد عن النّجف حوالى خمسة كيلومترات...

إنّ هذه الأجواء هي الّتي جعلتنا نلتقي بالخضرة في كلّ هذا الجوّ الصّحراويّ، ولا أزال أذكر أنّنا أمام هذه الأجواء المنفتحة على الخضرة، كنّا نعيش أجواء مختنقة عندما كانت تثور الرّياح الموسميّة أيّام الرّبيع، فبدل أن يعطينا الرّبيع انتعاشاً، كان الغبار يسدّ الأفق بين وقت وآخر، بشكل لا يمكن للإنسان أن يبصر طريقه.

وكنّا نضطرّ في ذلك الوقت للنزول إلى السّراديب، وهي أماكن في جوف الأرض يحفرها النّاس، حتّى يأخذوا منها شيئاً من الرّطوبة، باعتبار أنّ شدّة الحرارة وشدّة الجفاف في تلك المنطقة الصحراويّة، الّتي كانت تصل فيها الحرارة إلى أكثر من خمسين درجة أيّام الصّيف، جعلت النّاس يلجأون إلى هذه السّراديب الّتي يجدون فيها بعض الهواء المتعفّن المحتبس، لأنّ النّوافذ المفتوحة على الشّمس قليلة جدّاً... ".

كما يتحدث المرجع الراحل، عن ولادته والبيت الذي نشأ به: " ولدتُ في النجف الأشرف، العراق، لأن والدي آية الله عبد الرؤوف فضل الله ـ رحمه الله ـ مكث في النجف مدةً تقارب الثلاثين عاماً، للدراسة والتدريس. في بيتٍ بائسٍ فقير، لأن أوضاع الوالد المادية كانت صعبةً جداً، فقد كان يملك نفساً أبيّةً أثقلت ظروفه حيث كان لا يتنازل للجهات النافذة في الوسط الديني والتي كانت مساعداتها تفرض على الإنسان أحياناً بعض التنازلات من كرامته أو من مواقفه، ولذلك كان مثقلاً بالديون".
ويتابع :  "نشأت في هذا المناخ البائس، حتى كنّا عند الإصابة بالمرض (أنا وأخوتي) نؤخذ إلى طبيبٍ هو أقرب إلى الطبيب العربي أو الهندي التقليدي، لأن من الصعب مادياً أن نؤخذ إلى مستشفى، وربما كان مستشفى النجف أقرب إلى المستوصف للإهمال الذي كانت النجف تواجهه آنذاك. وقد كنا نتداوى بالطبّ العربي، حتى إني أذكر أني عند إصابتي بالحصبة في طفولتي الأولى  بقيتُ مدة أشهر حتى شُفيت، لأن طبيعة المعالجة كانت بسيطة ولم تكن حديثة..".

أما عن البيت الذي عاش طفولته فيه فيصفه بأنه " كان يتميّز بأنه بيتٌ في دهليزٍ مظلم، ومؤلّف من ثلاث غرف مع مطبخ بائس، وكان في صحنِ الدار حوضٌ للماء الذي كان مالحاً، فالبئرُ يخدم حاجياتنا.. وقد كان للبيت سردابٌ ينزل الناس إليه في أيام الصيف للتبرّد نهاراً، وأذكر أنه كان هناك نوافذ تُطل على البئر رغبةً في الهواء البارد الآتي من خلال الآبار التي كانت مفتوحة على بعضها البعض في النجف. وأما ليلاً فقد كنا ننام على السطوح لشدة الحر، وقد كنا نستضيء بالفوانيس، لأن الكهرباء لم تكن موجودة عندنا.

ويصف سماحته علاقته بوالده بأنها كانت "علاقةً لا أزال دائماً أشعر بإنسانيتها، لم أذكر أنه ضربني في كل تاريخ حياتي منذ الطفولة الأولى، فقد كانت طريقته في تأديبي إذا قمتُ بما لا يرضيه أن يحدّق بي تحديقاً أشعر فيه بالغضب فيثقلني ذلك فأتراجع.

هكذا كانت طفولتي وطفولة إخوتي ونحن خمسة ذكور وخمس إناث عدا الذين ماتوا مبكّرين، وأنا أكبرهم ليبدأ في خط الدراسة أو التربية أو المسؤولية.
ولقد كنتُ في طفولتي لا أخلو من المشاغبة، ولكن الأمر لم يصل معي إلى درجة "العفرتة".
 
 
 
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية