يتحدَّث الغرب عن حريّة التّعبير دائماً، باعتبارها أحد المبادئ الّتي يقوم عليها بنيانه الفكريّ والاجتماعيّ والحضاري، حيث تؤكِّد الأنظمة الغربيَّة احترام هذا الحقّ، وحرصها على تأمينه لشعوبها، باعتباره أحد الحقوق الأساسيّة للإنسان. لكنَّ الصّورة الَّتي يرغب الغرب في تقديمها عن نفسه شيء، والواقع شيء آخر.
لا شكَّ في أنَّ الأنظمة والمجتمعات الغربيّة التي تقوم على نمطٍ محدّد من الحداثة، أكثر تطوّراً من مجتمعاتنا العربيّة والإسلاميّة، على مستوى التقدّم التّقنيّ والتّنظيم وثقافة احترام القانون الّتي تتميّز بها شعوبها، رغم أنَّ هناك نقداً لمفهوم الحريَّة الذي يقدّمه الغرب، على مستوى النظريّة والممارسة، حيث تبقى حريّة التّعبير في الغرب بعيدةً عن أن تكون كاملة، بل يمكن القول إنَّها أحياناً كثيرة، مُضلِّلة ومشَوَّهة وصوريّة.
لا يعتبر ذلك موقفاً إيديولوجياً من الغرب، بل ينطلق من وقائع يبصرها العالم أجمع، ويطّلع عليها في وسائل الإعلام، تؤدّي في كلّ مرّة، إلى إثارة إشكاليّات وطرح أسئلة جديدة عن الحرّيات وحقوق الإنسان، دون أن تجد لها إجابات غربيّة شافية، فالغرب الّذي ينادي بحريّة التّعبير، هو نفسه من يحاسب على ممارستها، ومن يمنعها ويقمعها في أحيان كثيرة دون أيِّ مبرّر، وهو نفسه الّذي يتعامل بانتقائية مع الآخر، وخصوصاً حين يتعلّق الأمر بقضايا المسلمين، وهو نفسه من يمارس التّمييز العنصريّ، ويطلق الأحكام الشموليّة، ويمنع الحجاب، ويميّز على أساس الدّين...
إنّ حريّة التّعبير في الغرب، تتحرَّك في مساحة محدَّدة ومضبوطة من قبل مراكز السّلطة والقرار فيه، حيث تقف هذه الحريّة عندما يتعلّق الأمر بموضوعات معيَّنة، وخصوصاً ما يرتبط بإسرائيل واليهود، وانتقاد أيّ من الممارسات الصّهيونيّة، حتى لو كان ذلك من منطلقٍ سياسيّ، لا دينيّ ولا عنصريّ.
يرفض الغرب أيّ انتقاد لليهود، ويعاقب بقسوة كلّ من يتجرّأ عليه، ممارساً إرهاباً فكريّاً لا يختلف في مضمونه عن الإرهاب الذي تمارسه الجماعات التكفيريّة التي يدّعي محاربتها، ما يمنع أيّ صوت من الاعتراض أو التّمايز، إلا مَن نَدر من المثقّفين والمفكِّرين، حيث بات انتقاد "إسرائيل" من المحرَّمات الّتي لا تشملها حرية التّعبير في الغرب.. وهذا ما شهدناه قبل أيَّام، عندما أُجبر الإعلامي جيم كلانسي على تقديم استقالته من قناة "سي أن أن"، على خلفيّة "حربٍ كلاميّةٍ" بينه وبين داعمين لإسرائيل على "تويتر"، حيث عبّر عن رأيه بحريّة، فانتهى به الأمر فاقداً وظيفته، ومعلناً استقالته بعد 34 عاماً من العمل مع القناة.
وكان الصّحافي الأميركي قد لمّح إلى تحريض "إسرائيل" للفرنسيّين على زيادة الهجمات والضّغوط على المسلمين، وقبل ذلك كتب أيضاً: "انتبهوا.. الرسوم الكاريكاتوريّة لم تسخر من النّبي محمَّد، بل سخرت من الَّذين يحاولون تشويه كلامه"، ثم كتب أنَّ "الدّعاية الإسرائيليّة تتحمَّل جزءاً من المسؤوليّة عن الهجوم".
سياسة "سي أن أن" في محاسبة موظّفيها على حرية الرأي، ليست جديدةً، فالإعلاميّة اللبنانيّة الأميركيّة، أوكتافيا نصر، كانت قد فصلت من الشَّبكة نفسها بعد نحو 20 عاماً من العمل فيها، بسبب تغريدةٍ لها على حسابها في "تويتر"، أظهرت فيها التقدير والاحترام لسماحة العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله، بعد وفاته العام 2010، لما يمثِّله من قيمةٍ إنسانية وحضارية. كما تعرّضت سفيرة بريطانيا في لبنان آنذاك، للمساءلة من سلطات بلادها، بسبب موقفها الإيجابي، وإبداء تقديرها لسماحة السيِّد(رض).
لا يمكن اعتبار ما سبق مجرَّد حالاتٍ فرديّةٍ محدودة، بل هو منهج يتكرَّر، ونجد له شواهد واقعيَّة كثيرة تعبّر عن حقيقة حرية التّعبير في الغرب.
إنَّ هذا يعيد طرح الإشكاليّات والأسئلة حول حريّة التَّعبير، ويُسقط ما يدَّعيه الغرب من تمايزٍ أخلاقيّ وحضاريّ يسمو به على بقيَّة العالم، ويجعله مجبراً على الإجابة عن هذه الأسئلة، قبل أن يعتبر نفسه حامياً للحرّيات وحقوق الإنسان، حيث إنّه يقوم بارتكاب أبشع التصرّفات الّتي تنتهك الحرّيات وحقوق الإنسان، بدءاً بفلسطين المحتلّة، مروراً بأفغانستان وأفريقيا وأميركا الجنوبيَّة...
نعم، في الغرب حريّة تعبيرٍ تسمح بانتقاد أديان أو أفكار لا تستجيب لمصالحه ومشاريعه، لكن في الغرب أيضاً، ممنوعٌ عليك أن تتفوّه بكلمةٍ تنتقد الممارسات الإرهابيّة والقمعيّة الّتي تقوم بها "إسرائيل"، التي يعتبرها حصنه المتقدِّم، و"قلعة الدّيمقراطيّة" في المنطقة العربيّة والإسلاميّة.
في الخلاصة، حريّة التّعبير في الغرب في دائرة الاتهام.