متفرقات
08/11/2017

دروس المباهلة وإيحاءاتها

دروس المباهلة وإيحاءاتها

نعيش في هذه الأيّام قضيّة "المباهلة" التي تحدَّث القرآن عنها، في أجواء تفتح لنا آفاق جديدة، فالله تعالى يقول: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ* الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ* فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ* إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ الله وَإِنَّ الله لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(1).

قصّة المباهلة

إنَّ لهذه الآيات، كما يذكر المفسِّرون، قصّة، وخلاصتها أنَّ وفد نصارى نجران جاء إلى النبيّ(ص)، ونزل في مسجده ليحاوره، فقالوا له: ما هو رأيك في عيسى؟ فقال(ص): إنَّ عيسى(ع) عبد مخلوق لله، يأكل ويشرب ويمارس ما يمارسه النّاس، ويُحدث وما إلى ذلك، فأرادوا أن يعطوا فكرتهم في أنَّ عيسى(ع) ليس بشراً كبقيَّة البشر من خلال عقيدتهم في أنَّ الله تجسَّد فيه، وأنّه هو الله متجسّد في جسد بشر، فقالوا: هل يمكن أن يكون هناك مخلوق بدون أب، فعيسى(ع) ولد من دون أب كما تقولون، فأنزل الله على رسوله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}(2). فآدم ـــ باعترافكم ـــ مخلوق يأكل ويشرب ويحدث، وما إلى ذلك، وليس له أب وأمّ.

إنّ مسألة الخلق تنطلق من قدرة الله الذي خلق آدم من دون أب وأمّ، وخلق الناس كلّهم من أب وأُمّ، وهو القادر على أن يخلق إنساناً من دون أب، فمادام الأمر متّصلاً بقدرة الله، فإنّها قدرةٌ لا حدّ لها. ويبدو أنّهم ـــ أي نصارى نجران ـــ قد دخلوا في الحجاج حول هذا الموضوع وفي غيره، ويبدو من خلال جوّ الآية، أنّ الحجاج وصل إلى طريق مسدود، بحيث أغلقوا عقولهم عن التّفكير فيما قاله لهم النبيّ(ص) عن الله تعالى.

ونحن ـــ في حياتنا اليوميَّة ـــ نلتقي بالنّاس الّذين ما إن تبدأ معهم الحوار، حتى يغلقوا عقولهم وتفكيرهم عن الاستمرار فيه، لهذا، فإنّ الله تعالى قال للنبيّ(ص): احسم الموضوع بالمباهلة الّتي ربّما كانت معروفة في الرّسالات السابقة، وهي أن يقف اثنان أمام الله إذا اختلفا في أمر ولم يصل الحوار بينهما إلى أيّ نتيجة، وأن يقول كلّ واحد منهما: تعال لنبتهل إلى الله ليلعن الكاذب منّا، وربّما كانت قضيّة ابني آدم تقترب من جوّ المباهلة وإن كانت ليست مباهلة، وذلك عندما قرّبا قرباناً، فتقبّل من أحدهما ولم يتقبّل من الآخر، فالمباهلة هي أن يقف الاثنان بين يدي الله ليلعن الكاذب منهما.

فقال النبيّ(ص) من خلال الآية والرّواية: تعالوا نبتهل. وانصرف القوم على أساس اللّقاء وفق موعدٍ محدَّد، وتقول الرواية التي يذكرها المفسِّرون، إنّ رئيسهم، وهو "السيّد" أو "العاقل" كما يسمّونه، قال لهم: انظروا، فإن جاء بقومه فليس نبيّاً، وستكون النتيجة لصالحنا، ولكن إنْ جاء بأهل بيته، فإنّ علينا أن نمتنع عن المباهلة.

وعندما جاء موعد اللّقاء، جاء النبيّ(ص)، ومعه عليّ(ع) وفاطمة(ع) والحسنان(ع)، فسأل رئيس النصارى: مَن هم هؤلاء؟ فقيل له: هذا صهرهُ وابن عمّه، وهذه ابنته، وهذان ابنا ابنته. وعند ذلك، قالوا للنبيّ(ص): لا نريد أن نباهلك، قل ما هي شروطك لنعقد معاهدة بيننا وبينك، وعقدت المعاهدة بين النبيّ وبين النّصارى، وهذه هي قصّة المباهلة.

ماذا نستوحي من القصّة؟!

وثمّة نقطة في القصّة لا بدَّ لنا من أن نعرفها، وهي مهمّة في استيحائنا للقصّة، وهي أنّ النبيّ(ص) أنزلهم في مسجده، فلم يكن لديه دار ضيافة، ومن ذلك، نستوحي أن لا مانع من أن يدخل غير المسلمين في المسجد، حتى إنّ النبيّ(ص) ومن بعده، كانوا يستقبلون الوفود في المسجد حتى من المشركين، ولسنا في صدد هذا البحث الفقهي، فعندما جاء وقت صلاتهم، ضربوا الناقوس، واستنكر المسلمون ذلك، ونقلوا الأمر إلى النبيّ(ص)، فقال: دعوهم ليفعلوا ما يشاؤون من صلاتهم. هذه هي القصّة، وما نريد أن نقف عنده منها، هو كيف نستوحيها.

ابن البنت ابن

فابن البنت يطلق عليه ابن، فلمّا نزل قوله تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ}، ما كان من النبيّ(ص)، إلاّ أن أخرج معه الحسنين، وهما ابنا ابنته، كما يطلق ذلك على عيسى(ع) {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ}[الأنعام: 84]، {دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ}[المائدة: 78] أي أنّه يتّصل بإبراهيم من خلال الأمّ لا من خلال الأب.

ثمّ التعبير عن عليّ(ع) من أنّه نفسُ رسول الله، فهذا التّعبير يوحي بأنّ شخصية عليّ(ع) قد اندمجت بشخصيّة رسول الله(ص) علماً وروحانيّة وأخلاقاً وزهداً وشجاعةً، بحيث كان يمثّل رسول الله(ص) في ذاته، كما كان رسول الله يتمثّل فيه.

الحوار الإسلاميّ ـــ المسيحي

والإيحاء الآخر الذي نستنتجه من هذه القصّة، هو مسألة الحوار الإسلاميّ ـــ المسيحي، لأنّ هؤلاء عندما جاؤوا إلى النبيّ(ص) وهم يحملون عقيدة غير عقيدتهم، ولا سيّما بالنسبة إلى السيّد المسيح(ع)، ويتّبعون ديناً غير دينه، جاؤوا إلى مركز النبوّة، ونزلوا في الموقع العباديّ للإسلام، وهو المسجد، وأعطاهم النبيّ(ص) كلّ الحرية في أن يطرحوا فكرهم، ولم يمارس أيّ ضغط عليهم في تقديم فكرهم إليه، بل كان يواجههم بالحجّة، كما نقلته الرواية من ردّه عليهم بالنسبة إلى عيسى(ع) بتمثيله بآدم(ع)، فإنّنا نستوحي من ذلك، الدلالة على سماحة الإسلام، وعلى أنّه لا مانع في تشريعه من أن يأتي النّصارى إلى المسجد ويؤدّوا صلاتهم فيه، وربّما نلاحظ من خلال القصّة، أنّ مجتمع النبيّ(ص) متقدِّم على مجتمعنا، بمعنى أنّ العرف الّذي كان في ذلك المجتمع، هو عرفٌ منفتح أغلقناه فيما بعد.

أدب الاختلاف

تلك نقطة مهمّة يجب أن لا ننطلق منها في حياتنا لنمارس الحوار مع أهل الكتاب فحسب، بل مع كلّ الناس الّذين نختلف معهم في الفكر، سواء كان دينياً في مجال العقيدة، أو ثقافيّاً في مضمار المفاهيم، أو في حقول السياسة والاجتماع وغيرها، فالحوار الهادف الموضوعيّ، هو الذي يحترم فيه المحاور محاوره دون أن يتّخذ من اختلافه معه في الرأي أسلوب السباب والشتائم والإساءة إلى الذات، لأنّك عندما تريد أن تدخل مع الآخر في حوار فيما اختلفت معه في الفكر، يجب عليك أن تحترم فكره في مجال الحوار، كما تريد منه أن يحترم فكرك، وهذا أقوى وأبلغ من أن تواجهه بأسلوب العنف، لأنّ أسلوب العنف هو أسلوب الفاشلين الضعفاء، ذلك أنّ القويّ فكرياً لا يخاف ممّا يواجهه به الآخرون من فكر مختلف، بل يردّ الحجّة بالحجّة، والفكرة بالفكرة، وهذا هو شأن الإسلام في كلِّ ما تحرّك فيه من أسباب الحوار.

قراءة القرآن بوعي

فعندما تقرأون القرآن ـ وأنا أوصيكم دائماً أن تقرأوه قراءة وعي، وعلى أساس أن تتحرّكوا معه في حركة الحياة من حولكم، لأنّكم إذا فهمتم القرآن ككتاب هدىً، فإنّه ينير لكم الطّريق، ويهديكم إلى أن تعيشوا حياتكم بشكل أفضل ـ فإنّكم تستطيعون أن تعيشوا القرآن متجسّداً في حياتكم، بحيث تكون صورة حياتكم هي صورة القرآن، وبذلك تنفتحون على الأُمّة كلّها.

إنّنا نريد أن نستوحي من هذه الآية، أن ننفتح على الحوار المسيحي ـــ الإسلامي، كما ننفتح على الحوار مع كلّ الأديان الأخرى، حتّى غير الكتابيّة، ومع كلّ الأفكار الأخرى، وأن يكون طابعنا طابع الأمّة التي تحاور وتحترم مَنْ تُحاوِر.

ولعلّنا نحتاج إلى أسلوب الحوار بيننا عندما نختلف كلاميّاً أو فقهياً أو سياسياً أو اجتماعياً، وأن نبتعد عن روحيّة الانفعال التي يحاول كلّ فريد منّا أن يدمّر من خلالها الفريق الآخر، وأن يشوّه صورته، وأن يتحدَّث معه بأسلوب لا مسؤول، ففي هذه الحالة، سوف لن تحقِّق شيئاً، بل إنّك لن تقنع الآخر، ولن تنفتح عليه أو ينفتح عليك.

أيّ أساليب حوار نختار؟!

ثم نستوحي من المباهلة كخطٍّ أخير في الجدال، أنَّ علينا كما نستخدم أساليب الحوار الفكريّة في مقام اجتذاب الآخرين، علينا كذلك أن نستخدم الأساليب الإيمانيّة، فإذا كنّا والآخر نؤمن بالله سبحانه وتعالى، فلننطلق إلى تقديم الأساليب الّتي تجعل الفريقين يخافان من الله ويرجعان إليه، لأنَّ الإيحاء بقوَّة الله في أجواء هذا الخلاف، يجعل كلّ فريق يراجع نفسه عندما تصل المسألة إلى المنطقة الأخيرة وإلى الموقف الحاسم، فكأنّك تقول له: لم تقتنع بما أقول ولم أقتنع بما قلت، والحقيقةُ عند الله، وهو لا ينزل علينا ملكاً ليحلّ الخلاف بطريقة إعجازية، فتعال من خلال إيماننا بالله، نرجع إليه، لندعو في موقف واحد، وفي جوٍّ مليءٍ بالعاطفة من أبنائنا وأبنائكم، ونسائنا ونسائكم، وأنفسنا وأنفسكم، أن يلعن الكاذب منّا.

إنَّ المباهلة تمثِّل أسلوب الصَّدمة الإيمانيَّة التي تهزُّ أعماق الإنسان، لتعيده إمَّا إلى أن يؤمن بما تؤمن به، أو ليبتعد عن موقع الحوار والجدال، وهذا ما حدث. فالمباهلة الّتي طرحها النبيّ(ص) من خلال أمره الله، جعلت هؤلاء يعيشون الصَّدمة الّتي خافوا منها على أنفسهم، عندما استنفروا إيمانهم بالله، ولذلك، منعتهم تقاليدهم ورواسبهم أن يؤمنوا، لكنَّها ابتعدت بهم عن ساحة الجدال والخلاف الّذي يحارب فيه النّاس بعضهم بعضاً، فخضعوا للمعاهدة، وهكذا كان.

أيّها الأحبَّة، في درس المباهلة الكثير من الإيحاءات، وعلينا ونحن نعيش في ذكرى المباهلة، أن ندخل إلى أعماقها، لنفهمها فهماً يبتعد بها عن المناسبة المحدودة في الزّمان والمكان والأشخاص، لننطلق بها من أجل أن تتحرّك في حياتنا كلّها، وفي واقعنا كلّه، عندما نختلف مع الآخرين ونحاورهم، فالأمَّة القرآنيَّة هي الأمَّة التي يعيش القرآن نوراً في عقولها، ويقظة في قلوبها، وطهراً في مشاعرها وحركة في واقعها.

أيّها القرآنيّون، انفتحوا على القرآن وتدبّروه جيّداً وتأمّلوه جيّداً، حتى تخرجوا به ـــ كما أراد الله لكم ذلك ـــ من الظّلمات إلى النّور، ومن ظلمات الجهل والتخلّف والأنانيّة والعصبيّة العمياء، إلى نور العلم والتقدّم والإبداع والانفتاح على الإنسان الآخر.

والحمد لله ربِّ العالمين.

فكر وثقافة، ج3، المحاضرة الثانية عشرة، بتاريخ: 26 ذي الحجّة 1417 هــ/ الموافق: 3-5-1997م.


(1) سورة آل عمران، الآيات: 59 ـ 62.

(2) سورة آل عمران، الآية: 59.

نعيش في هذه الأيّام قضيّة "المباهلة" التي تحدَّث القرآن عنها، في أجواء تفتح لنا آفاق جديدة، فالله تعالى يقول: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ* الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلاَ تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ* فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ الله عَلَى الْكَاذِبِينَ* إِنَّ هَـذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَـهٍ إِلاَّ الله وَإِنَّ الله لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}(1).

قصّة المباهلة

إنَّ لهذه الآيات، كما يذكر المفسِّرون، قصّة، وخلاصتها أنَّ وفد نصارى نجران جاء إلى النبيّ(ص)، ونزل في مسجده ليحاوره، فقالوا له: ما هو رأيك في عيسى؟ فقال(ص): إنَّ عيسى(ع) عبد مخلوق لله، يأكل ويشرب ويمارس ما يمارسه النّاس، ويُحدث وما إلى ذلك، فأرادوا أن يعطوا فكرتهم في أنَّ عيسى(ع) ليس بشراً كبقيَّة البشر من خلال عقيدتهم في أنَّ الله تجسَّد فيه، وأنّه هو الله متجسّد في جسد بشر، فقالوا: هل يمكن أن يكون هناك مخلوق بدون أب، فعيسى(ع) ولد من دون أب كما تقولون، فأنزل الله على رسوله: {إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ الله كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}(2). فآدم ـــ باعترافكم ـــ مخلوق يأكل ويشرب ويحدث، وما إلى ذلك، وليس له أب وأمّ.

إنّ مسألة الخلق تنطلق من قدرة الله الذي خلق آدم من دون أب وأمّ، وخلق الناس كلّهم من أب وأُمّ، وهو القادر على أن يخلق إنساناً من دون أب، فمادام الأمر متّصلاً بقدرة الله، فإنّها قدرةٌ لا حدّ لها. ويبدو أنّهم ـــ أي نصارى نجران ـــ قد دخلوا في الحجاج حول هذا الموضوع وفي غيره، ويبدو من خلال جوّ الآية، أنّ الحجاج وصل إلى طريق مسدود، بحيث أغلقوا عقولهم عن التّفكير فيما قاله لهم النبيّ(ص) عن الله تعالى.

ونحن ـــ في حياتنا اليوميَّة ـــ نلتقي بالنّاس الّذين ما إن تبدأ معهم الحوار، حتى يغلقوا عقولهم وتفكيرهم عن الاستمرار فيه، لهذا، فإنّ الله تعالى قال للنبيّ(ص): احسم الموضوع بالمباهلة الّتي ربّما كانت معروفة في الرّسالات السابقة، وهي أن يقف اثنان أمام الله إذا اختلفا في أمر ولم يصل الحوار بينهما إلى أيّ نتيجة، وأن يقول كلّ واحد منهما: تعال لنبتهل إلى الله ليلعن الكاذب منّا، وربّما كانت قضيّة ابني آدم تقترب من جوّ المباهلة وإن كانت ليست مباهلة، وذلك عندما قرّبا قرباناً، فتقبّل من أحدهما ولم يتقبّل من الآخر، فالمباهلة هي أن يقف الاثنان بين يدي الله ليلعن الكاذب منهما.

فقال النبيّ(ص) من خلال الآية والرّواية: تعالوا نبتهل. وانصرف القوم على أساس اللّقاء وفق موعدٍ محدَّد، وتقول الرواية التي يذكرها المفسِّرون، إنّ رئيسهم، وهو "السيّد" أو "العاقل" كما يسمّونه، قال لهم: انظروا، فإن جاء بقومه فليس نبيّاً، وستكون النتيجة لصالحنا، ولكن إنْ جاء بأهل بيته، فإنّ علينا أن نمتنع عن المباهلة.

وعندما جاء موعد اللّقاء، جاء النبيّ(ص)، ومعه عليّ(ع) وفاطمة(ع) والحسنان(ع)، فسأل رئيس النصارى: مَن هم هؤلاء؟ فقيل له: هذا صهرهُ وابن عمّه، وهذه ابنته، وهذان ابنا ابنته. وعند ذلك، قالوا للنبيّ(ص): لا نريد أن نباهلك، قل ما هي شروطك لنعقد معاهدة بيننا وبينك، وعقدت المعاهدة بين النبيّ وبين النّصارى، وهذه هي قصّة المباهلة.

ماذا نستوحي من القصّة؟!

وثمّة نقطة في القصّة لا بدَّ لنا من أن نعرفها، وهي مهمّة في استيحائنا للقصّة، وهي أنّ النبيّ(ص) أنزلهم في مسجده، فلم يكن لديه دار ضيافة، ومن ذلك، نستوحي أن لا مانع من أن يدخل غير المسلمين في المسجد، حتى إنّ النبيّ(ص) ومن بعده، كانوا يستقبلون الوفود في المسجد حتى من المشركين، ولسنا في صدد هذا البحث الفقهي، فعندما جاء وقت صلاتهم، ضربوا الناقوس، واستنكر المسلمون ذلك، ونقلوا الأمر إلى النبيّ(ص)، فقال: دعوهم ليفعلوا ما يشاؤون من صلاتهم. هذه هي القصّة، وما نريد أن نقف عنده منها، هو كيف نستوحيها.

ابن البنت ابن

فابن البنت يطلق عليه ابن، فلمّا نزل قوله تعالى: {فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ}، ما كان من النبيّ(ص)، إلاّ أن أخرج معه الحسنين، وهما ابنا ابنته، كما يطلق ذلك على عيسى(ع) {وَمِن ذُرِّيَّتِهِ}[الأنعام: 84]، {دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ}[المائدة: 78] أي أنّه يتّصل بإبراهيم من خلال الأمّ لا من خلال الأب.

ثمّ التعبير عن عليّ(ع) من أنّه نفسُ رسول الله، فهذا التّعبير يوحي بأنّ شخصية عليّ(ع) قد اندمجت بشخصيّة رسول الله(ص) علماً وروحانيّة وأخلاقاً وزهداً وشجاعةً، بحيث كان يمثّل رسول الله(ص) في ذاته، كما كان رسول الله يتمثّل فيه.

الحوار الإسلاميّ ـــ المسيحي

والإيحاء الآخر الذي نستنتجه من هذه القصّة، هو مسألة الحوار الإسلاميّ ـــ المسيحي، لأنّ هؤلاء عندما جاؤوا إلى النبيّ(ص) وهم يحملون عقيدة غير عقيدتهم، ولا سيّما بالنسبة إلى السيّد المسيح(ع)، ويتّبعون ديناً غير دينه، جاؤوا إلى مركز النبوّة، ونزلوا في الموقع العباديّ للإسلام، وهو المسجد، وأعطاهم النبيّ(ص) كلّ الحرية في أن يطرحوا فكرهم، ولم يمارس أيّ ضغط عليهم في تقديم فكرهم إليه، بل كان يواجههم بالحجّة، كما نقلته الرواية من ردّه عليهم بالنسبة إلى عيسى(ع) بتمثيله بآدم(ع)، فإنّنا نستوحي من ذلك، الدلالة على سماحة الإسلام، وعلى أنّه لا مانع في تشريعه من أن يأتي النّصارى إلى المسجد ويؤدّوا صلاتهم فيه، وربّما نلاحظ من خلال القصّة، أنّ مجتمع النبيّ(ص) متقدِّم على مجتمعنا، بمعنى أنّ العرف الّذي كان في ذلك المجتمع، هو عرفٌ منفتح أغلقناه فيما بعد.

أدب الاختلاف

تلك نقطة مهمّة يجب أن لا ننطلق منها في حياتنا لنمارس الحوار مع أهل الكتاب فحسب، بل مع كلّ الناس الّذين نختلف معهم في الفكر، سواء كان دينياً في مجال العقيدة، أو ثقافيّاً في مضمار المفاهيم، أو في حقول السياسة والاجتماع وغيرها، فالحوار الهادف الموضوعيّ، هو الذي يحترم فيه المحاور محاوره دون أن يتّخذ من اختلافه معه في الرأي أسلوب السباب والشتائم والإساءة إلى الذات، لأنّك عندما تريد أن تدخل مع الآخر في حوار فيما اختلفت معه في الفكر، يجب عليك أن تحترم فكره في مجال الحوار، كما تريد منه أن يحترم فكرك، وهذا أقوى وأبلغ من أن تواجهه بأسلوب العنف، لأنّ أسلوب العنف هو أسلوب الفاشلين الضعفاء، ذلك أنّ القويّ فكرياً لا يخاف ممّا يواجهه به الآخرون من فكر مختلف، بل يردّ الحجّة بالحجّة، والفكرة بالفكرة، وهذا هو شأن الإسلام في كلِّ ما تحرّك فيه من أسباب الحوار.

قراءة القرآن بوعي

فعندما تقرأون القرآن ـ وأنا أوصيكم دائماً أن تقرأوه قراءة وعي، وعلى أساس أن تتحرّكوا معه في حركة الحياة من حولكم، لأنّكم إذا فهمتم القرآن ككتاب هدىً، فإنّه ينير لكم الطّريق، ويهديكم إلى أن تعيشوا حياتكم بشكل أفضل ـ فإنّكم تستطيعون أن تعيشوا القرآن متجسّداً في حياتكم، بحيث تكون صورة حياتكم هي صورة القرآن، وبذلك تنفتحون على الأُمّة كلّها.

إنّنا نريد أن نستوحي من هذه الآية، أن ننفتح على الحوار المسيحي ـــ الإسلامي، كما ننفتح على الحوار مع كلّ الأديان الأخرى، حتّى غير الكتابيّة، ومع كلّ الأفكار الأخرى، وأن يكون طابعنا طابع الأمّة التي تحاور وتحترم مَنْ تُحاوِر.

ولعلّنا نحتاج إلى أسلوب الحوار بيننا عندما نختلف كلاميّاً أو فقهياً أو سياسياً أو اجتماعياً، وأن نبتعد عن روحيّة الانفعال التي يحاول كلّ فريد منّا أن يدمّر من خلالها الفريق الآخر، وأن يشوّه صورته، وأن يتحدَّث معه بأسلوب لا مسؤول، ففي هذه الحالة، سوف لن تحقِّق شيئاً، بل إنّك لن تقنع الآخر، ولن تنفتح عليه أو ينفتح عليك.

أيّ أساليب حوار نختار؟!

ثم نستوحي من المباهلة كخطٍّ أخير في الجدال، أنَّ علينا كما نستخدم أساليب الحوار الفكريّة في مقام اجتذاب الآخرين، علينا كذلك أن نستخدم الأساليب الإيمانيّة، فإذا كنّا والآخر نؤمن بالله سبحانه وتعالى، فلننطلق إلى تقديم الأساليب الّتي تجعل الفريقين يخافان من الله ويرجعان إليه، لأنَّ الإيحاء بقوَّة الله في أجواء هذا الخلاف، يجعل كلّ فريق يراجع نفسه عندما تصل المسألة إلى المنطقة الأخيرة وإلى الموقف الحاسم، فكأنّك تقول له: لم تقتنع بما أقول ولم أقتنع بما قلت، والحقيقةُ عند الله، وهو لا ينزل علينا ملكاً ليحلّ الخلاف بطريقة إعجازية، فتعال من خلال إيماننا بالله، نرجع إليه، لندعو في موقف واحد، وفي جوٍّ مليءٍ بالعاطفة من أبنائنا وأبنائكم، ونسائنا ونسائكم، وأنفسنا وأنفسكم، أن يلعن الكاذب منّا.

إنَّ المباهلة تمثِّل أسلوب الصَّدمة الإيمانيَّة التي تهزُّ أعماق الإنسان، لتعيده إمَّا إلى أن يؤمن بما تؤمن به، أو ليبتعد عن موقع الحوار والجدال، وهذا ما حدث. فالمباهلة الّتي طرحها النبيّ(ص) من خلال أمره الله، جعلت هؤلاء يعيشون الصَّدمة الّتي خافوا منها على أنفسهم، عندما استنفروا إيمانهم بالله، ولذلك، منعتهم تقاليدهم ورواسبهم أن يؤمنوا، لكنَّها ابتعدت بهم عن ساحة الجدال والخلاف الّذي يحارب فيه النّاس بعضهم بعضاً، فخضعوا للمعاهدة، وهكذا كان.

أيّها الأحبَّة، في درس المباهلة الكثير من الإيحاءات، وعلينا ونحن نعيش في ذكرى المباهلة، أن ندخل إلى أعماقها، لنفهمها فهماً يبتعد بها عن المناسبة المحدودة في الزّمان والمكان والأشخاص، لننطلق بها من أجل أن تتحرّك في حياتنا كلّها، وفي واقعنا كلّه، عندما نختلف مع الآخرين ونحاورهم، فالأمَّة القرآنيَّة هي الأمَّة التي يعيش القرآن نوراً في عقولها، ويقظة في قلوبها، وطهراً في مشاعرها وحركة في واقعها.

أيّها القرآنيّون، انفتحوا على القرآن وتدبّروه جيّداً وتأمّلوه جيّداً، حتى تخرجوا به ـــ كما أراد الله لكم ذلك ـــ من الظّلمات إلى النّور، ومن ظلمات الجهل والتخلّف والأنانيّة والعصبيّة العمياء، إلى نور العلم والتقدّم والإبداع والانفتاح على الإنسان الآخر.

والحمد لله ربِّ العالمين.

فكر وثقافة، ج3، المحاضرة الثانية عشرة، بتاريخ: 26 ذي الحجّة 1417 هــ/ الموافق: 3-5-1997م.


(1) سورة آل عمران، الآيات: 59 ـ 62.

(2) سورة آل عمران، الآية: 59.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية