الالتزام وحمل المسؤولية في نقل الرسالة إلى الأجيال القادمة

الالتزام وحمل المسؤولية في نقل الرسالة إلى الأجيال القادمة

في ذكرى وفاة النبي(ص):
الالتزام وحمل المسؤولية في نقل الرسالة إلى الأجيال القادمة

 

ألقى سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عدد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، وحشد من المؤمنين، ومما جاء في خطبته:

مسؤولية حمل الرسالة:

يقول الله تعالى في كتابه المجيد مخاطباً رسوله(ص): {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}(الزمر/30، {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ}(الأنبياء/34)، فالله تعالى لم يجعل لأحد من عباده في الدنيا فرصة الخلود، بل إنه أكّد أنّ {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}(آل عمران/185).

وهناك آية تؤكِّد أن دور الرسول(ص) في علاقته بالناس، هو أن يبلّغهم الرسالة، ثم ينتقل إلى رحاب ربّه دون أن تموت الرسالة بموته، بل تبقى مسؤوليةً وأمانةً لدى المؤمنين بها من المسلمين، وذلك هو قولـه تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إلاًّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}(آل عمران/144). وقد نزلت هذه الآية في معركة أُحد، عندما جُرح النبي(ص)، وصاح صائح: «لقد قُتل محمد»، وردّ قائل: «إن كان محمد قد مات فإن ربّ محمد لم يمت»، وانطلق قائل من الذين لم يعيشوا صلابة الإيمان وعمقه وامتداده ليقول: «اذهبوا بنا إلى أبي سفيان لنأخذ منه الأمان». فنـزلت هذه الآية لتؤكّد للمسلمين أن النبي(ص) إذا مات أو قُتل فلن تموت الرسالة، وتبقى المسؤولية في حفظها لينقلها كل جيل إلى الجيل الذي يأتي بعده، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

 

إن المقاومة هي التي أعطت لبنان استقلاله الحقيقي وشرفه وقوته وفاعليته في عالم عربي مهزوم، ولذلك فإن الشعوب العربية والإسلامية تقف مع عنفوان المقاومة التي بدأ بعض اللبنانيين يتنكّرون لها في بعض خطابهم السياسي...

وبهذا، تتأكد مسؤولية كل أجيال المسلمين في أن يتحمّلوا مسؤولية الإسلام لينقلوه إلى أبنائهم وأحفادهم، وليدعوا الناس الذين لم يؤمنوا بالإسلام إلى اتّباعه والإيمان به. ولذلك، فإنه لا يجوز لأيِّ مسلم أو مسلمة أن يعيش أجواء اللامبالاة في مسألة الإسلام، بل إن عليهم أن يتحمّلوا مسؤولية تربية أولادهم على الإسلام، وأن نجعل ذلك في مقدم اهتماماتنا، والله يقول: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}(طـه/132)، ويقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(التحريم/6).

إكمال الرسالة بمبايعة علي(ع):

واستعدَّ النبي(ص) ليعلن إكمال الرسالة في وصيته للمسلمين جميعاً، فوقف في منى في حجة الوداع، ليخاطب الناس ويسألهم: «أيها الناس أي بلد هذا»؟ قالوا: «البلد الحرام»، ثم قال: «أيّ شهر هذا؟» قالوا: «الشهر الحرام»، قال: «فأي يوم هذا؟» قالوا: «اليوم الحرام»، فقال: «أيها الناس، إن الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم ـ وفي رواية وأعراضكم ـ كحرمة بلدكم هذا، في شهركم هذا، في يومكم هذا، ألا لا ترجعنّ بعدي ضلاّلاً يلعن بعضكم بعضاً، ويقطِّع بعضكم رقاب بعض، فالمسلم كله حرام على المسلم، دمه وماله وعرضه، اللهم هل بلّغت، اللهم اشهد».

وانطلق رسول الله(ص) في حجَّة الوداع، ليتحرك في منطقة اسمها غدير خم، ليعرّف الناس من هو الأفضل والأتقى والأرشد والأكثر خبرةً في إدارة أمور المسلمين، ومن هو الأكثر جهاداً والأقرب إلى الله، ومن هو الذي أحبّ الله ورسوله وأحبّه الله ورسوله، وذلك استجابة من النبي(ص) لأمر الله الذي أنزل عليه في ذلك الوقت: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}(المائدة/67). وجمع الرسول(ص) الناس، والأرض ملتهبة، والشمس حارقة، ونُصب له منبر من أحداج الإبل، ورفع يد علي(ع) حتى بان بياض إبطيهما للناس، وقال لهم: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» قالوا: «اللهم بلى»، فقال: «اللهم اشهد، من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ـ من كنت أولى به من نفسه، من كنت وليّه فيما أعطى الله النبي من الولاية على المسلمين، فعليّ وليه، لأنه كان من النبي بمنـزلة هارون من موسى، إلاّ أنه ليس بنبي، لأنه لا نبي بعد خاتم النبيين، ولأن الحق كان مع علي وهو مع الحق، وهو باب مدينة العلم ـ اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيثما دار».

وأراد رسول الله(ص) للمسلمين أن يبايعوا عليّاً، ولكنَّها كانت بيعة لم يلتزم الكثيرون بها، وشعر النبي(ص) بأن هناك نوعاً من الاهتزاز بين المسلمين، لذلك حاول أن يعالج هذه المشكلة، وذلك، كما يروي الرواة، أنه كان في مرضه الذي توفي فيه، قد طلب من المسلمين الحاضرين أن: «آتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً»، ولكن بعضهم قال: «إن النبي ليهجر»، ولم يلتفت إلى قول الله: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}(النّجم/3-4)، ودارت الدائرة على المسلمين، وانحرفت المسيرة عن الخط المستقيم.

 

لقد دمَّر الاحتلال العراق باسم إسقاط الطغيان، وأثار فيه الفوضى باسم الديمقراطية، ولا تزال شعاراته الفضفاضة تنتقل بالعراق من خداع إلى خداع باللغة النفاقية المعهودة.

الارتباط بالله في العمل:

وخاطب النبي(ص) المسلمين ليقول لهم: «أيها الناس، إنّه ليس بين الله وبين أحد شيء يعطيه به خيراً، أو يصرف به عنه شرّاً إلاّ العمل الصالح. أيّها النّاس، لا يدّع مدّعٍ، ولا يتمنّ متمنٍّ، والّذي بعثني بالحق، لا ينجي إلاّ عملٌ مع رحمة، ولو عصيت». ثم سأل إن كان لأحد عنده حق أو عدة وعدها إياه فليقف ليطالبه بها، وجلس مع أقرب الناس إليه، وكان إلى جانبه عمه العباس بن عبد المطلب، وعمته صفية، وابنته الزهراء(ع) وبعض أقربائه، فالتفت إليهم وهو على فراش المرض وقال: «يا بني عبد المطلب، اعملوا لما عند الله فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب، يا عمّ رسول الله، اعمل لما عند الله فإني لا أغني عنك من الله شيئاً. يا صفية بنت عبد المطلب، يا عمّة رسول الله، اعملي لما عند الله فإني لا أغني عنك من الله شيئاً. يا فاطمة بنت محمد، يا بنت رسول الله، اعملي لما عند الله فإني لا أغني عنك من الله شيئاً».

لقد أراد النبي(ص) أن يوحي إلى كلِّ الناس، أن ما يربطهم بالله ليست أنسابهم ولا أموالهم، بل هي أعمالهم. وورد عن عليّ(ع) تأكيد هذا المفهوم عندما قال: «إن وليّ محمد من أطاع الله ولو بعدت لُحمته، وإن عدوّ محمد من عصى الله ولو قربت قرابته».

تحسس المسؤولية:

إننا عندما نقف في ذكرى وفاة النبي(ص) في الثامن والعشرين من شهر صفر الذي مرّ علينا، فإن علينا أن نتحسس مسؤوليتنا عن هذا الغياب النبوي الذي انقطع به الوحي من السماء إلى الأرض، بعدما أكمل الله الدين وأتمّ النعمة ورضي الإسلام لنا ديناً، وقال لنا: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(آل عمران/104). إنَّ الإسلام هو أمانة الله ورسول الله عندنا. إن علينا أن نعتصم بحبل الله وهو الإسلام والقرآن، لنتوحّد به، ولنلتزمه وندعو الناس إليه لنعرّفهم حقائق الإسلام، ولا سيّما الذين لم يدرسوه دراسة عميقة، كهؤلاء الذين يتهمون الإسلام بالعنف والإرهاب والتخلّف.

إنَّ علينا أن نتحرك في العالم كله من أجل أن نحمل الإسلام إلى هذا العالم، لنكون قدوةً للناس في التزامنا بالإسلام، ولننطلق على أساس قيمه. إنها مسؤوليتنا أمام الله، عندما نقف بين يديه ويسألنا: ماذا قدّمتم للإسلام في دعوتكم والتزامكم؟! وقد أراد الله تعالى أن ندرس سيرة النبي(ص) في أخلاقه وأساليبه وإخلاصه للإسلام وعبادته لنقتدي به، حيث قال تعالى لنا: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}(الأحزاب/21).

إنَّ أطراف العالم الكافر والمستكبر والصهيونية الحاقدة قد جمعت كل قواها، ووحدت كل صفوفها، لتقف في وجه الإسلام وتسقطه في نفوس أتباعه، وتحدّ من حركته، لكي لا يكون دين الإنسان في العالم. لذلك علينا أن نتوحّد جميعاً، وأن نتمسك بالوحدة الإسلامية، وأن لا يمنعنا اختلافنا في كثير من أمورنا من السعي إليها، والله يقول لنا: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}(النساء/59).

 

ومن الطريف أن الرئيس بوش يتباكى على الشعب الفلسطيني المعذَّب في معاناته، ويذرف عليه دموع التماسيح من دون إشارة إلى الاحتلال الذي هو السبب في عذابه ومعاناته.

إن هذه المرحلة هي من أخطر المراحل في مستقبل الإسلام والمسلمين، وعلينا أن نقف صفاً واحداً لنقاتل ثقافياً وسياسياً وأمنياً واقتصادياً، كما أراد الله تعالى لنا، لأن الله {يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}(الصف/4).

الخطبة الثانية

بسم الله الرَّحمن الرحيم

عباد الله... اتقوا الله، وواجهوا مسؤوليّتكم في الحفاظ على الإسلام وتوحيد كلمته، وفي الوقوف في خطِّ المواجهة لأعداء الله الذين يشنُّون حرباً على الله ورسوله وأوليائه، ونحن في مرحلتنا هذه، لا نزال نواجه الكثير من التحديات التي يفرضها علينا المستكبرون والكافرون، فكيف نواجه الموقف؟

إدمان أمريكي للكذب:

لا يزال الرئيس الأمريكي يتحدث في كل يوم عن المنطقة بما يشبه التهديد المبطَّن، ويوزِّع الاتهامات على سوريا بدعوى تدخّلها السلبي ضد الديمقراطية في لبنان من خلال استخباراتها التي لا تزال ـ حسب زعمه ـ باقية هناك، في الوقت الذي يرسم علامات الاستفهام حول تعاونها مع لجنة التحقيق في اغتيال الرئيس الحريري، رغم أنّ سوريا أكَّدت أكثر من مرة أنها مستعدة للتعاون إلى أقصى الحدود. ونحن نتساءل عن الاستخبارات الأمريكية الموجودة في لبنان، والتي تعبث بأوضاعه السياسية من خلال تحركات السفارة الأميركية التي تثير المشاكل فيه بطريقة وبأخرى؟!

ومن الطريف ـ من ناحية أخرى ـ أن الرئيس بوش يتباكى على الشعب الفلسطيني المعذَّب في معاناته، ويذرف عليه دموع التماسيح، من دون إشارة إلى الاحتلال الذي هو السبب في عذابه ومعاناته، ومن دون أن تتحرك إدارته لتخفيف هذا العذاب وتلك المعاناة!! ثم يتحدث عن الدولة الفلسطينية القابلة للحياة، ولا يضغط على إسرائيل التي أعلنت تحديد حدودها من طرف واحد، بما يمنع الفلسطينيين من إقامة دولتهم، وتعتمد إسرائيل في ذلك على الحصول على تأييد أمريكا وأوروبا، وخصوصاً أنها حددت الفاصل بين القدس والضفة الغربية على أساس أنه حدود دولة، من دون اعتراض من الرئيس بوش الذي أدمن الكذب في حركته السياسية والعسكرية منذ الحديث عن أسلحة الدمار الشامل لتبرير احتلاله للعراق، واتهامه فصائل الانتفاضة بالإرهاب، واتهام سوريا وإيران بدعمه... إنه يكذب على شعبه، كما يكذب على العالم، ضاغطاً على الاتحاد الأوروبي بذلك كله...

 

إن الإسلام هو أمانة الله ورسول الله عندنا. إن علينا أن نعتصم بحبل الله وهو الإسلام والقرآن، لنتوحّد به ولنلتزمه وندعو الناس إليه لنعرّفهم حقائق الإسلام.

ومن جهة ثانية، فإن الرئيس الأمريكي يؤكِّد شرعية امتلاك إسرائيل للسلاح النووي، ويضغط على إيران في ملفّها النووي السلمي، ولا يدخل معها في حوار للاستماع إليها في تفاصيل مشروعها، لأنه لا يريد لها أن تملك الخبرة العلمية النووية... ثم إنه في الوقت الذي يعترف بأن الانتخابات الفلسطينية نزيهة، يرفض النتيجة الديمقراطية التي تستتبع تأييد حركة حماس، ما يفضح الكذبة الأمريكية الكبرى في مشروع نشر الديمقراطية في العالم، فالرئيس بوش يريد لإسرائيل أن تصادر الشعب الفلسطيني من خلال مشروعها الذي يقوم على مصادرة الأرض، وحصار الشعب، واجتياح القرى والمدن، وقتل الأطفال والنساء والشيوخ، إلى غير ذلك من سلوكها الإرهابي الذي تلتقي فيه مع الإرهاب الأمريكي في المنطقة.

أمريكا: تدمير العراق:

أمَّا في العراق، فقد كشف الاحتلال الأمريكي عن وجهه الحقيقي مرة أخرى، من خلال المجزرة الوحشية الدامية في حسينية المصطفى، التي أرادت أمريكا أن تقول للعراقيين من خلالها: إنكم لستم الأحرار في رسم سياستكم أو في تقرير مصيركم وبناء بلدكم الحر والموحَّد والمستقل...

إن الاحتلال الأمريكي والبريطاني يلعب لعبة الضغط على المواقع السياسية العراقية، حتى على مستوى ترشيح رئيس الوزراء أو الرئاسات الأخرى، واللعب على الوتر المذهبي الطائفي في إثارة الحساسيات، من خلال تصريحات بوش وسفيره في بغداد...

أما حديثه عن حكومة وحدة وطنية، فإنه يحدد للحكومة برنامجها وشكلها على صورة الخضوع لسياسته الاحتلالية العابثة بكل قضايا العراقيين في الأمن والخدمات وغيرها، الأمر الذي ندعو معه العراقيين إلى الأخذ بأسباب الحرية، ومواجهة خطط الاحتلال الذي يسعى إلى إقامة طويلة من أجل السيطرة على مقدّرات العراق الحيوية... لقد دمَّر الاحتلال العراق باسم إسقاط الطغيان، وأثار فيه الفوضى باسم الديمقراطية، ولا تزال شعاراته الفضفاضة تنتقل بالعراق من خداع إلى خداع باللغة النفاقية المعهودة.

 

لقد أراد النبي(ص) أن يوحي إلى كل الناس أن ما يربطهم بالله ليست أنسابهم ولا أموالهم، بل هي أعمالهم.

القمة العربية وثقافة الهزيمة:

أمَّا القمَّة العربيَّة، فقد حفظت للمقاومة حقَّها الذي يمثِّل نبض الشارع العربي والتزامه، إلا أنها لم تملك أن تقول كلمة "لا" في وجه إسرائيل وأمريكا، حيث إن لاءات قمة الخرطوم السابقة: لا صلح، لا اعتراف، لا استسلام، سقطت من قاموس القادة العرب الذين أدمنوا ترداد كلمة "نعم" لحساب ما تريده أمريكا، التي تريد لثقافة الهزيمة أن تفرض نفسها على الواقع العربي والإسلامي، حتى في زمن المقاومة في لبنان والانتفاضة في فلسطين.

الفوضى السياسيَّة في لبنان:

أمَّا لبنان، فلا يزال يتحرَّك في الفوضى السياسية تحت عناوين الحوار والإصلاح، في سجالات متنوّعة تشبه لعبة الأطفال، وإبقاء البلد في حال من الجمود القاتل في قضاياه الاقتصادية والمالية والأمنية، وفي سياسته الدفاعية التي لم ترسم أية آلية لتحرير الأرض المتبقية تحت الاحتلال، ولمواجهة الخطر الإسرائيلي الذي لا يزال يذكِّر اللبنانيين يومياً بالحال العدوانية، في عملية عرض العضلات في الجو والبر والبحر، في الوقت الذي لا يزال بعض المسؤولين اللّبنانيين يناقشون شرعيَّة سلاح المقاومة، ويؤكِّدون الخطَّة الأمريكية ـ الإسرائيلية في تأمين العدوّ الإسرائيلي من موقع القوَّة اللّبناني، ليستعيدوا شعار "قوة لبنان في ضعفه"، لأنهم يخافون من أن يأخذوا بأسباب القوة، ليبقى لبنان مستباحاً لكل الذين يريدون استغلاله...

إن المقاومة هي التي أعطت لبنان استقلاله الحقيقي وشرفه وقوته وفاعليته في عالم عربي مهزوم، ولذلك، فإن الشعوب العربية والإسلامية تقف مع عنفوان المقاومة التي بدأ بعض اللبنانيين يتنكّرون لها في بعض خطابهم السياسي... إننا نتساءل: هل هناك دولة في لبنان، أو أن لبنان يمثل أشخاصاً من بقايا أمراء الحرب وأمراء الطوائف، ليبقى الشعب اللبناني في المتاهات التي يدفعونه إليها؟  

إذا مات النبي أو قُتل فلن تموت الرسالة، بل تبقى المسؤولية في حفظها لينقلها كل جيل إلى الجيل الذي يأتي بعده، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

في ذكرى وفاة النبي(ص):
الالتزام وحمل المسؤولية في نقل الرسالة إلى الأجيال القادمة

 

ألقى سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عدد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، وحشد من المؤمنين، ومما جاء في خطبته:

مسؤولية حمل الرسالة:

يقول الله تعالى في كتابه المجيد مخاطباً رسوله(ص): {إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ}(الزمر/30، {وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ}(الأنبياء/34)، فالله تعالى لم يجعل لأحد من عباده في الدنيا فرصة الخلود، بل إنه أكّد أنّ {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}(آل عمران/185).

وهناك آية تؤكِّد أن دور الرسول(ص) في علاقته بالناس، هو أن يبلّغهم الرسالة، ثم ينتقل إلى رحاب ربّه دون أن تموت الرسالة بموته، بل تبقى مسؤوليةً وأمانةً لدى المؤمنين بها من المسلمين، وذلك هو قولـه تعالى: {وَمَا مُحَمَّدٌ إلاًّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئاً وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ}(آل عمران/144). وقد نزلت هذه الآية في معركة أُحد، عندما جُرح النبي(ص)، وصاح صائح: «لقد قُتل محمد»، وردّ قائل: «إن كان محمد قد مات فإن ربّ محمد لم يمت»، وانطلق قائل من الذين لم يعيشوا صلابة الإيمان وعمقه وامتداده ليقول: «اذهبوا بنا إلى أبي سفيان لنأخذ منه الأمان». فنـزلت هذه الآية لتؤكّد للمسلمين أن النبي(ص) إذا مات أو قُتل فلن تموت الرسالة، وتبقى المسؤولية في حفظها لينقلها كل جيل إلى الجيل الذي يأتي بعده، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

 

إن المقاومة هي التي أعطت لبنان استقلاله الحقيقي وشرفه وقوته وفاعليته في عالم عربي مهزوم، ولذلك فإن الشعوب العربية والإسلامية تقف مع عنفوان المقاومة التي بدأ بعض اللبنانيين يتنكّرون لها في بعض خطابهم السياسي...

وبهذا، تتأكد مسؤولية كل أجيال المسلمين في أن يتحمّلوا مسؤولية الإسلام لينقلوه إلى أبنائهم وأحفادهم، وليدعوا الناس الذين لم يؤمنوا بالإسلام إلى اتّباعه والإيمان به. ولذلك، فإنه لا يجوز لأيِّ مسلم أو مسلمة أن يعيش أجواء اللامبالاة في مسألة الإسلام، بل إن عليهم أن يتحمّلوا مسؤولية تربية أولادهم على الإسلام، وأن نجعل ذلك في مقدم اهتماماتنا، والله يقول: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا}(طـه/132)، ويقول: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ}(التحريم/6).

إكمال الرسالة بمبايعة علي(ع):

واستعدَّ النبي(ص) ليعلن إكمال الرسالة في وصيته للمسلمين جميعاً، فوقف في منى في حجة الوداع، ليخاطب الناس ويسألهم: «أيها الناس أي بلد هذا»؟ قالوا: «البلد الحرام»، ثم قال: «أيّ شهر هذا؟» قالوا: «الشهر الحرام»، قال: «فأي يوم هذا؟» قالوا: «اليوم الحرام»، فقال: «أيها الناس، إن الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم ـ وفي رواية وأعراضكم ـ كحرمة بلدكم هذا، في شهركم هذا، في يومكم هذا، ألا لا ترجعنّ بعدي ضلاّلاً يلعن بعضكم بعضاً، ويقطِّع بعضكم رقاب بعض، فالمسلم كله حرام على المسلم، دمه وماله وعرضه، اللهم هل بلّغت، اللهم اشهد».

وانطلق رسول الله(ص) في حجَّة الوداع، ليتحرك في منطقة اسمها غدير خم، ليعرّف الناس من هو الأفضل والأتقى والأرشد والأكثر خبرةً في إدارة أمور المسلمين، ومن هو الأكثر جهاداً والأقرب إلى الله، ومن هو الذي أحبّ الله ورسوله وأحبّه الله ورسوله، وذلك استجابة من النبي(ص) لأمر الله الذي أنزل عليه في ذلك الوقت: {يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ}(المائدة/67). وجمع الرسول(ص) الناس، والأرض ملتهبة، والشمس حارقة، ونُصب له منبر من أحداج الإبل، ورفع يد علي(ع) حتى بان بياض إبطيهما للناس، وقال لهم: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟» قالوا: «اللهم بلى»، فقال: «اللهم اشهد، من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه ـ من كنت أولى به من نفسه، من كنت وليّه فيما أعطى الله النبي من الولاية على المسلمين، فعليّ وليه، لأنه كان من النبي بمنـزلة هارون من موسى، إلاّ أنه ليس بنبي، لأنه لا نبي بعد خاتم النبيين، ولأن الحق كان مع علي وهو مع الحق، وهو باب مدينة العلم ـ اللهم والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله، وأدر الحق معه حيثما دار».

وأراد رسول الله(ص) للمسلمين أن يبايعوا عليّاً، ولكنَّها كانت بيعة لم يلتزم الكثيرون بها، وشعر النبي(ص) بأن هناك نوعاً من الاهتزاز بين المسلمين، لذلك حاول أن يعالج هذه المشكلة، وذلك، كما يروي الرواة، أنه كان في مرضه الذي توفي فيه، قد طلب من المسلمين الحاضرين أن: «آتوني بدواة وكتف أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً»، ولكن بعضهم قال: «إن النبي ليهجر»، ولم يلتفت إلى قول الله: {وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى}(النّجم/3-4)، ودارت الدائرة على المسلمين، وانحرفت المسيرة عن الخط المستقيم.

 

لقد دمَّر الاحتلال العراق باسم إسقاط الطغيان، وأثار فيه الفوضى باسم الديمقراطية، ولا تزال شعاراته الفضفاضة تنتقل بالعراق من خداع إلى خداع باللغة النفاقية المعهودة.

الارتباط بالله في العمل:

وخاطب النبي(ص) المسلمين ليقول لهم: «أيها الناس، إنّه ليس بين الله وبين أحد شيء يعطيه به خيراً، أو يصرف به عنه شرّاً إلاّ العمل الصالح. أيّها النّاس، لا يدّع مدّعٍ، ولا يتمنّ متمنٍّ، والّذي بعثني بالحق، لا ينجي إلاّ عملٌ مع رحمة، ولو عصيت». ثم سأل إن كان لأحد عنده حق أو عدة وعدها إياه فليقف ليطالبه بها، وجلس مع أقرب الناس إليه، وكان إلى جانبه عمه العباس بن عبد المطلب، وعمته صفية، وابنته الزهراء(ع) وبعض أقربائه، فالتفت إليهم وهو على فراش المرض وقال: «يا بني عبد المطلب، اعملوا لما عند الله فإني لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب، يا عمّ رسول الله، اعمل لما عند الله فإني لا أغني عنك من الله شيئاً. يا صفية بنت عبد المطلب، يا عمّة رسول الله، اعملي لما عند الله فإني لا أغني عنك من الله شيئاً. يا فاطمة بنت محمد، يا بنت رسول الله، اعملي لما عند الله فإني لا أغني عنك من الله شيئاً».

لقد أراد النبي(ص) أن يوحي إلى كلِّ الناس، أن ما يربطهم بالله ليست أنسابهم ولا أموالهم، بل هي أعمالهم. وورد عن عليّ(ع) تأكيد هذا المفهوم عندما قال: «إن وليّ محمد من أطاع الله ولو بعدت لُحمته، وإن عدوّ محمد من عصى الله ولو قربت قرابته».

تحسس المسؤولية:

إننا عندما نقف في ذكرى وفاة النبي(ص) في الثامن والعشرين من شهر صفر الذي مرّ علينا، فإن علينا أن نتحسس مسؤوليتنا عن هذا الغياب النبوي الذي انقطع به الوحي من السماء إلى الأرض، بعدما أكمل الله الدين وأتمّ النعمة ورضي الإسلام لنا ديناً، وقال لنا: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}(آل عمران/104). إنَّ الإسلام هو أمانة الله ورسول الله عندنا. إن علينا أن نعتصم بحبل الله وهو الإسلام والقرآن، لنتوحّد به، ولنلتزمه وندعو الناس إليه لنعرّفهم حقائق الإسلام، ولا سيّما الذين لم يدرسوه دراسة عميقة، كهؤلاء الذين يتهمون الإسلام بالعنف والإرهاب والتخلّف.

إنَّ علينا أن نتحرك في العالم كله من أجل أن نحمل الإسلام إلى هذا العالم، لنكون قدوةً للناس في التزامنا بالإسلام، ولننطلق على أساس قيمه. إنها مسؤوليتنا أمام الله، عندما نقف بين يديه ويسألنا: ماذا قدّمتم للإسلام في دعوتكم والتزامكم؟! وقد أراد الله تعالى أن ندرس سيرة النبي(ص) في أخلاقه وأساليبه وإخلاصه للإسلام وعبادته لنقتدي به، حيث قال تعالى لنا: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً}(الأحزاب/21).

إنَّ أطراف العالم الكافر والمستكبر والصهيونية الحاقدة قد جمعت كل قواها، ووحدت كل صفوفها، لتقف في وجه الإسلام وتسقطه في نفوس أتباعه، وتحدّ من حركته، لكي لا يكون دين الإنسان في العالم. لذلك علينا أن نتوحّد جميعاً، وأن نتمسك بالوحدة الإسلامية، وأن لا يمنعنا اختلافنا في كثير من أمورنا من السعي إليها، والله يقول لنا: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ}(النساء/59).

 

ومن الطريف أن الرئيس بوش يتباكى على الشعب الفلسطيني المعذَّب في معاناته، ويذرف عليه دموع التماسيح من دون إشارة إلى الاحتلال الذي هو السبب في عذابه ومعاناته.

إن هذه المرحلة هي من أخطر المراحل في مستقبل الإسلام والمسلمين، وعلينا أن نقف صفاً واحداً لنقاتل ثقافياً وسياسياً وأمنياً واقتصادياً، كما أراد الله تعالى لنا، لأن الله {يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفّاً كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ}(الصف/4).

الخطبة الثانية

بسم الله الرَّحمن الرحيم

عباد الله... اتقوا الله، وواجهوا مسؤوليّتكم في الحفاظ على الإسلام وتوحيد كلمته، وفي الوقوف في خطِّ المواجهة لأعداء الله الذين يشنُّون حرباً على الله ورسوله وأوليائه، ونحن في مرحلتنا هذه، لا نزال نواجه الكثير من التحديات التي يفرضها علينا المستكبرون والكافرون، فكيف نواجه الموقف؟

إدمان أمريكي للكذب:

لا يزال الرئيس الأمريكي يتحدث في كل يوم عن المنطقة بما يشبه التهديد المبطَّن، ويوزِّع الاتهامات على سوريا بدعوى تدخّلها السلبي ضد الديمقراطية في لبنان من خلال استخباراتها التي لا تزال ـ حسب زعمه ـ باقية هناك، في الوقت الذي يرسم علامات الاستفهام حول تعاونها مع لجنة التحقيق في اغتيال الرئيس الحريري، رغم أنّ سوريا أكَّدت أكثر من مرة أنها مستعدة للتعاون إلى أقصى الحدود. ونحن نتساءل عن الاستخبارات الأمريكية الموجودة في لبنان، والتي تعبث بأوضاعه السياسية من خلال تحركات السفارة الأميركية التي تثير المشاكل فيه بطريقة وبأخرى؟!

ومن الطريف ـ من ناحية أخرى ـ أن الرئيس بوش يتباكى على الشعب الفلسطيني المعذَّب في معاناته، ويذرف عليه دموع التماسيح، من دون إشارة إلى الاحتلال الذي هو السبب في عذابه ومعاناته، ومن دون أن تتحرك إدارته لتخفيف هذا العذاب وتلك المعاناة!! ثم يتحدث عن الدولة الفلسطينية القابلة للحياة، ولا يضغط على إسرائيل التي أعلنت تحديد حدودها من طرف واحد، بما يمنع الفلسطينيين من إقامة دولتهم، وتعتمد إسرائيل في ذلك على الحصول على تأييد أمريكا وأوروبا، وخصوصاً أنها حددت الفاصل بين القدس والضفة الغربية على أساس أنه حدود دولة، من دون اعتراض من الرئيس بوش الذي أدمن الكذب في حركته السياسية والعسكرية منذ الحديث عن أسلحة الدمار الشامل لتبرير احتلاله للعراق، واتهامه فصائل الانتفاضة بالإرهاب، واتهام سوريا وإيران بدعمه... إنه يكذب على شعبه، كما يكذب على العالم، ضاغطاً على الاتحاد الأوروبي بذلك كله...

 

إن الإسلام هو أمانة الله ورسول الله عندنا. إن علينا أن نعتصم بحبل الله وهو الإسلام والقرآن، لنتوحّد به ولنلتزمه وندعو الناس إليه لنعرّفهم حقائق الإسلام.

ومن جهة ثانية، فإن الرئيس الأمريكي يؤكِّد شرعية امتلاك إسرائيل للسلاح النووي، ويضغط على إيران في ملفّها النووي السلمي، ولا يدخل معها في حوار للاستماع إليها في تفاصيل مشروعها، لأنه لا يريد لها أن تملك الخبرة العلمية النووية... ثم إنه في الوقت الذي يعترف بأن الانتخابات الفلسطينية نزيهة، يرفض النتيجة الديمقراطية التي تستتبع تأييد حركة حماس، ما يفضح الكذبة الأمريكية الكبرى في مشروع نشر الديمقراطية في العالم، فالرئيس بوش يريد لإسرائيل أن تصادر الشعب الفلسطيني من خلال مشروعها الذي يقوم على مصادرة الأرض، وحصار الشعب، واجتياح القرى والمدن، وقتل الأطفال والنساء والشيوخ، إلى غير ذلك من سلوكها الإرهابي الذي تلتقي فيه مع الإرهاب الأمريكي في المنطقة.

أمريكا: تدمير العراق:

أمَّا في العراق، فقد كشف الاحتلال الأمريكي عن وجهه الحقيقي مرة أخرى، من خلال المجزرة الوحشية الدامية في حسينية المصطفى، التي أرادت أمريكا أن تقول للعراقيين من خلالها: إنكم لستم الأحرار في رسم سياستكم أو في تقرير مصيركم وبناء بلدكم الحر والموحَّد والمستقل...

إن الاحتلال الأمريكي والبريطاني يلعب لعبة الضغط على المواقع السياسية العراقية، حتى على مستوى ترشيح رئيس الوزراء أو الرئاسات الأخرى، واللعب على الوتر المذهبي الطائفي في إثارة الحساسيات، من خلال تصريحات بوش وسفيره في بغداد...

أما حديثه عن حكومة وحدة وطنية، فإنه يحدد للحكومة برنامجها وشكلها على صورة الخضوع لسياسته الاحتلالية العابثة بكل قضايا العراقيين في الأمن والخدمات وغيرها، الأمر الذي ندعو معه العراقيين إلى الأخذ بأسباب الحرية، ومواجهة خطط الاحتلال الذي يسعى إلى إقامة طويلة من أجل السيطرة على مقدّرات العراق الحيوية... لقد دمَّر الاحتلال العراق باسم إسقاط الطغيان، وأثار فيه الفوضى باسم الديمقراطية، ولا تزال شعاراته الفضفاضة تنتقل بالعراق من خداع إلى خداع باللغة النفاقية المعهودة.

 

لقد أراد النبي(ص) أن يوحي إلى كل الناس أن ما يربطهم بالله ليست أنسابهم ولا أموالهم، بل هي أعمالهم.

القمة العربية وثقافة الهزيمة:

أمَّا القمَّة العربيَّة، فقد حفظت للمقاومة حقَّها الذي يمثِّل نبض الشارع العربي والتزامه، إلا أنها لم تملك أن تقول كلمة "لا" في وجه إسرائيل وأمريكا، حيث إن لاءات قمة الخرطوم السابقة: لا صلح، لا اعتراف، لا استسلام، سقطت من قاموس القادة العرب الذين أدمنوا ترداد كلمة "نعم" لحساب ما تريده أمريكا، التي تريد لثقافة الهزيمة أن تفرض نفسها على الواقع العربي والإسلامي، حتى في زمن المقاومة في لبنان والانتفاضة في فلسطين.

الفوضى السياسيَّة في لبنان:

أمَّا لبنان، فلا يزال يتحرَّك في الفوضى السياسية تحت عناوين الحوار والإصلاح، في سجالات متنوّعة تشبه لعبة الأطفال، وإبقاء البلد في حال من الجمود القاتل في قضاياه الاقتصادية والمالية والأمنية، وفي سياسته الدفاعية التي لم ترسم أية آلية لتحرير الأرض المتبقية تحت الاحتلال، ولمواجهة الخطر الإسرائيلي الذي لا يزال يذكِّر اللبنانيين يومياً بالحال العدوانية، في عملية عرض العضلات في الجو والبر والبحر، في الوقت الذي لا يزال بعض المسؤولين اللّبنانيين يناقشون شرعيَّة سلاح المقاومة، ويؤكِّدون الخطَّة الأمريكية ـ الإسرائيلية في تأمين العدوّ الإسرائيلي من موقع القوَّة اللّبناني، ليستعيدوا شعار "قوة لبنان في ضعفه"، لأنهم يخافون من أن يأخذوا بأسباب القوة، ليبقى لبنان مستباحاً لكل الذين يريدون استغلاله...

إن المقاومة هي التي أعطت لبنان استقلاله الحقيقي وشرفه وقوته وفاعليته في عالم عربي مهزوم، ولذلك، فإن الشعوب العربية والإسلامية تقف مع عنفوان المقاومة التي بدأ بعض اللبنانيين يتنكّرون لها في بعض خطابهم السياسي... إننا نتساءل: هل هناك دولة في لبنان، أو أن لبنان يمثل أشخاصاً من بقايا أمراء الحرب وأمراء الطوائف، ليبقى الشعب اللبناني في المتاهات التي يدفعونه إليها؟  

إذا مات النبي أو قُتل فلن تموت الرسالة، بل تبقى المسؤولية في حفظها لينقلها كل جيل إلى الجيل الذي يأتي بعده، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية