محامد الخصال في العلم والزهد وكمال العقل

محامد الخصال في العلم والزهد وكمال العقل

الإمام العسكري(ع):
محامد الخصال في العلم والزهد وكمال العقل...

 

ألقى سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عدد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، وحشد من المؤمنين، ومما جاء في خطبته:

يقول الله تعالى في كتابه المجيد: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}(الأحزاب/33). من أئمة أهل البيت(ع)، الإمام الحسن بن علي العسكري، الإمام الحادي عشر الذي صادفت ذكرى وفاته في الثامن من ربيع الأول.

محامد الخصال:

لم يتجاوز الإمام العسكريّ(ع) في حياته سنّ الشباب، ولكنه كان الإمام الذي اجتمعت فيه خصال الفضل، وتقدّمه على أهل عصره بما يوجب له الإمامة ويقتضي له الرئاسة. وهي خصال شملت في ما شملت العلم والزهد وكمال العقل والعصمة والشجاعة والكرم، وكثرة الأعمال التي تقرّبه إلى الله تعالى. ونقرأ في حديث لأحد أركان السلطة الحاكمة في ذلك الوقت: "ما رأيت ولا عرفت بـ"سرّ من رأى" ( سامراء ) رجلاً من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن الرضا في هديّه وسكونه وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته وبني هاشم، وتقديمهم إياه على ذوي السن منهم والخطر، وكذلك لأنّ دوره كان دور القادة والوزراء وعامة الناس".

 

كثرت في هذه المرحلة الأقاويل الضالة المضلة التي تحاول أن تنسب إلى الإسلام ما ليس فيه، لذلك على العلماء المسؤولية الكبرى في ملاحقة كل هذه الشبهات.

لقد بلغ الإمام العسكري(ع) شأواً عظيماً بين الطبقات كافة في زمانه، لأنّ دوره كان دور الإمامة الذي يفتح عقول الناس على الإسلام الأصيل الذي انطلق فيه رسول الله(ص)، وسار عليه أئمة أهل البيت(ع)، على أساس أنهم الأمناء على الرسالة. ورغم حداثة سنّه، فقد تتلمذ عليه الكثيرون من العلماء والرواة، وحاز ثقة المجتمع كله، حتى إنّه كان يقدَّم على شيوخ بني هاشم، وهذا ما شهد به الأعداء كما شهد به الأولياء.

ثقة الناس بأهل البيت(ع):

وكان بنو العباس ـ وهم الخلفاء في ذلك الزمان ـ يخافون من الثقة الكبرى التي كان يمنحها الناس لأهل البيت(ع)، باعتبار أنهم كانوا يعتقدون فيهم الإمامة، ويفضّلونهم على الخلفاء، حتى إن أحد الخلفاء قال لولده: "لو زالت الخلافة عن بني العباس، لما استحقَّها أحدٌ إلا هذا الشخص"، وكان يشير إلى الإمام العسكري(ع). ويُنقل في سيرته(ع)، أنَّ الخليفة العباسي نتيجة حقده الدفين عليه، والخوف منه على السلطة، أمر بسجنه. ثم طلب من السجّان أن يضيّق عليه، فقال له: "ما أصنع به، وقد وكّلت به رجلين من شرّ من قدرت عليه، وقد صارا من العبادة والصلاة والصيام إلى أمر عظيم". ثم أمر هذا السجّان بإحضار الرجلين وقال لهما: "ويحكما، ما شأنكما في أمر هذا الرجل"؟ فقالا له: "ما نقول في رجل يصوم نهاره ويقوم ليله كله، ولا يتكلّم ولا يتشاغل بغير العبادة، فإذا نظر إلينا ارتعدت فرائصنا، وداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا"...، فالإمام العسكري(ع) كان يفيض بطاقة روحية بحيث إذا نظر إلى الآخرين، امتلأوا بروحانيته، وتواضعوا له، وخضعوا بين يديه.

رصد الواقع الثقافي:

وينقل لنا بعض تاريخ الإمام العسكري(ع)، أن هناك شخصيّة ثقافيّة في زمانه، ويقال إنّه الفيلسوف الكندي كتب كتاباً ينقد فيه القرآن، فسمع الإمام(ع) بذلك، فقال لأصحابه وتلاميذه: "اذهبوا إليه وناقشوه، فقالوا، إنّنا لا نملك أن نناقشه، فقال: إني أحمّلكم كلاماً إليه، قولوا له: إنك كتبت كتاباً على حسب فهمك لما استظهرته من القرآن، ألا تحتمل أن يكون الذي صنع هذا القرآن يقصد معنى غير المعنى الذي فهمته فيه؟ فذهبوا إليه، وبعد أن شاغلوه بالكلام، قالوا له الكلام الذي حمّلهم إياه الإمام العسكري(ع)، ففكر فيه، وأقرّ بصحته، واستفسر منهم عن مصدره، فقالوا: هو الإمام الحسن بن علي العسكري، فقال: "إن هؤلاء زُقُّوا العلم زقاً"، ومزّق كتابه بعد ذلك.

 

كان بنو العباس يخافون من الثقة الكبرى التي كان يمنحها الناس لأهل البيت(ع)، باعتبار أنهم كانوا يعتقدون فيهم الإمامة ويفضّلونهم على الخلفاء.

وقد كان الأئمة(ع) يرصدون الواقع الثقافي، ويتابعون كلِّ الذين يحاولون أن ينتقدوا الإسلام والقرآن نتيجة بعض الشّبهات التي كانت تطرأ على أذهانهم، الأمر الذي يعني أن على العلماء الذين يملكون الثقافة الإسلامية، سواء كانوا مراجع أو علماء يعيشون في مجال التدريس، أن يدرسوا كل ما يحدث في زمانهم من الشبهات والتحديات التي تُنسب زوراً إلى الإسلام، ليسقطوه في فكره وعند أهله، وقد كثرت هذه الأقاويل الضالة المضلة التي تحاول أن تنسب إلى الإسلام ما ليس فيه، لذلك على العلماء المسؤولية الكبرى في ملاحقة كل هذه الشبهات.

ومن بين الأمور التي عالجها الإمام العسكري(ع)، ما سأل عنه بعض الناس عن مسألة أن {للذكر مثل حظ الأنثيين}، ففصّل الإمام العسكري(ع) طبيعة هذه المسألة بأنّه عندما ندرس المسؤولية التي كلّف الله تعالى بها المرأة، نجد أنه ليس عليها جهاد، والمقاتلون كانوا هم الذين يشترون السلاح والراحلة وبقية المستلزمات، وكذلك ليس عليها إذا تزوّجت أن تنفق على نفسها، ولا على زوجها ولا على أولادها، حتى لو كانت غنية، بل النفقة واجبة على الزوج، والمرأة لا تدفع مهراً، وليس على النساء معقلة، بمعنى أنها لا تشارك في دية أي من أقربائها إذا وجب على أحد من أقربائها دية ولم يكن قادراً على دفعها... فالإمام(ع) تمكّن من إقناع السائلين عندما فصّل هذه الحسابات.

 

لماذا يلجأ السياسيون إلى إدارة الحوار حول قضايا البلد خارج نطاق المؤسسات التي يفترض أن يعالج الجميع فيها قضاياهم، وذلك في نطاق الدولة التي تتكامل في مؤسساتها؟

... وفي ذكرى وفاة الإمام العسكري(ع)، فإننا نتبرّك بذكرى إمامة إمامنا صاحب العصر والزمان(عج)، الذي تسلّم الإمامة بعد وفاة أبيه، كما تسلّم يحيى(ع) النبوة: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً}(مريم/12)، وكما تسلّم عيسى(ع) النبوَّة: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً}(مريم/30)، وننطلق مع ذكرى الأئمة من أهل البيت(ع)، ونعيش روحية الانتظار للإمام الذي يُخرجه الله تعالى في نهاية المطاف، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً. اللهم اجعلنا من جنوده وأتباعه والسالكين سبيله.

الخطبة الثانية

بسم الله الرَّحمن الرحيم

عباد الله... اتقوا الله، وواجهوا الموقف الذي نعيش فيه التحديات والصدمات والعقبات، بالوحدة الإسلامية التي يقف فيها المسلمون صفاً واحداً لمواجهة كلِّ المستكبرين والظالمين، فماذا هناك:

أمريكا... السرطان السياسي والأمني في المنطقة:

في المشهد الأمريكي، تعترف وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية أنّ إدارتها "ارتكبت آلاف الأخطاء التكتيكية في المنطقة، ومنها احتلال العراق"... والسؤال: مَن الذي يدفع ثمن هذه الأخطاء، ولاسيما إذا كانت نتائجها عشرات الآلاف من القتلى والجرحى؟ وماذا تنتظر المنطقة من أثمان للأخطاء الجديدة التي ربما تكون استراتيجية في حجمها، وذلك من حيث اتصالها بمصائر الشعوب التي لا تحترمها الإدارة الأمريكية في سياستها المرتكزة على مصالحها الاستكبارية، وهذا ما تمارسه ضد الشعب الفلسطيني في الدعم المطلق لإسرائيل في مشاريعها الاستيطانية، ومحاصرتها لـه في اقتصاده، بقطع المساعدات عنه لمعاقبة حكومته المنتخَبة؟!

 

إن المخاطر في المرحلة الحاضرة تهددنا جميعاً، وتنذر بالسقوط الكياني للجميع، في الوقت الذي تزداد إسرائيل قوة، ونزداد ضعفاً، وخصوصاً عندما تتحرك بعض الأنظمة لتنفيذ المخطط الأمريكي ـ الإسرائيلي في الضغط على الواقعين العربي والإسلامي.

إنَّ الإدارة الأمريكية تعمل على إرباك الواقع السياسي في العراق، بالضّغط عليه، ومنعه من اختيار رئيس حكومته المرشح بطريقة ديمقراطية بحسب الدستور، ثم منع أية حكومة سابقة أو لاحقة من الحصول على عناصر القوة الأمنية والاقتصادية، والإعلان المستمر بأنّ الاحتلال سيبقى جاثماً على أرض العراق من خلال القواعد الأمريكية العسكرية الجديدة، وإبقاء حال الفوضى الأمنية التي تجتاح العراقيين وتصنع المأساة في بلادهم، من خلال التفجيرات والمجازر اليومية المتنقلة، والتي كان آخرها المجزرة الوحشية في النجف الأشرف...

إن شعوب المنطقة ترى في أمريكا السرطان السياسي والأمني الذي يمنع الناس من الاستقرار، ويحول دون تطوّرهم، ويهدّد نموّهم الاقتصادي تحت شعارات خادعة لا تلتزم بها هذه الإدارة، كحقوق الإنسان، ومكافحة الإرهاب، ونشر الديمقراطية، بل إنها تحركها كعناوين لتبرير سيطرتها على العالم.

ولعلَّ من بين هذه الوسائل، موقف الإدارة الأمريكية من الملف النووي الإيراني السلمي، الذي تثير ـ من خلاله ـ الحرب الدبلوماسية ضد إيران، وتضغط على الاتحاد الأوروبي لمشاركتها في ذلك، وتصل بالأمر إلى التهديد العسكري في الهجوم على إيران، بينما تتحالف مع إسرائيل، وتبرر لها امتلاكها لأسلحة الدمار الشامل!!

ومن جانب آخر، فإن أمريكا تعمل على التدخّل السياسي في لبنان، من خلال حلفائها، والذين يضغطون على المقاومة لنزع سلاحها، تحت تأثير حجج غير واقعية، في الوقت الذي لا يملك هؤلاء أية خطة دفاعية واقعية للدفاع عن لبنان ضد العدو الإسرائيلي في تهديداته واعتداءاته المتواصلة... ذلك فضلاً عن إرباك العلاقات السورية ـ اللبنانية، وإبقاء الوضع في حال من الاهتزاز المتحرك، من خلال بعض المحاور المعادية لانفتاح لبنان على محيطه العربي، في خط التكامل الأمني والسياسي والاقتصادي، الذي هو القاعدة لازدهار الوطن في نموّه وتطوّره.

 

إن شعوب المنطقة ترى في أمريكا السرطان السياسي والأمني الذي يمنع الناس من الاستقرار، ويحول دون تطوّرهم، ويهدّد نموّهم الاقتصادي، تحت شعارات خادعة لا تلتزم بها هذه الإدارة، كحقوق الإنسان، ومكافحة الإرهاب، ونشر الديمقراطية، بل إنها تحركها كعناوين لتبرير سيطرتها على العالم.

إننا نتوجه إلى شعوب المنطقة في العالمين العربي والإسلامي، أن يرتفعوا إلى مستوى المسؤولية في مواجهة هذا الخطر الأمريكي ـ الإسرائيلي، الذي انضم إليه التحالف الأوروبي، من أجل تأكيد القاعدة الاستقلالية، والسعي إلى التكامل والتواصل الاقتصادي، وتوحيد الجهود والطاقات في عملية صنع القوة، ولاسيما في دعم الحكومة الفلسطينية الجديدة التي يُراد إحكام الحصار عليها، لمنعها من تنفيذ مشاريعها التنموية.

إنَّ المخاطر في المرحلة الحاضرة تهددنا جميعاً، وتنذر بالسقوط الكياني للجميع، في الوقت الذي تزداد إسرائيل قوّةً ونزداد ضعفاً، وخصوصاً عندما تتحرك بعض الأنظمة لتنفيذ المخطط الأمريكي ـ الإسرائيلي في الضغط على الواقعين العربي والإسلامي.

لبنان: الالتزام بالحوار داخل المؤسَّسات:

أمَّا في لبنان، فقد تحوَّل الحوار إلى ما يشبه حوار الطرشان، مع ملاحظة بارزة، وهي أنه لماذا يلجأ السياسيون إلى إدارة الحوار حول قضايا البلد خارج نطاق المؤسسات التي يفترض أن يعالج الجميع فيها قضاياهم، وذلك في نطاق الدولة التي تتكامل في مؤسساتها؟ والسؤال: أليس هذا دليلاً على عدم الثقة بالمؤسسات التي أصبحت موقعاً للتجريح والمهاترات وإثارة الشتائم والسباب والأساليب اللامسؤولة؟

وإذا كانت الحكومة تتحدث عن مشروعها الإصلاحي، فإننا نتساءل مع الشعب: هل يحمل هذا المشروع المزيد من الضرائب التي تثقل كاهل الناس، وخصوصاً الطبقات المحرومة؟ وهل تحل لها مشاكلها الاقتصادية؟ ثمّ، هل يمكن حلّ المسألة الاقتصادية من دون حلّ المسألة السياسية التي تنظم للبلد مواقع المسؤولية في عملية التخطيط لمواجهة التحديات الصعبة التي يضجّ من خلالها الفقراء في المناطق المحرومة؟ وهل هناك في المشروع الإصلاحي خطة دفاعية تمنع العدو من الاعتداء على البلد؟ وهل هناك خطة لتوفير فرص العمل للشباب حتى لا تصادرهم الهجرة؟ وكيف نمنح المعلّمين والموظفين والعمّال حقوقهم التي يستطيعون من خلالها العيش الكريم؟

 

لقد بلغ الإمام العسكري(ع) شأواً عظيماً بين الطبقات كافة في زمانه، لأنّ دوره كان دور الإمامة الذي يفتح عقول الناس على الإسلام الأصيل الذي انطلق فيه رسول الله(ص) وسار عليه أئمة أهل البيت(ع)، على أساس أنهم الأمناء على الرسالة.

إنها أسئلة تفرض على الدولة وعلى المتحاورين دراستها قبل أن يسقط البلد تحت تأثير الإفلاس الاقتصادي والانهيار المالي، بعدما وقع تحت تأثير الإفلاس السياسي. ليست هذه الأسئلة أسئلة التحدي، ولكنها صيحات الصراخ الشعبي الغارق في مشاكله المصيرية.

الإمام العسكري(ع):
محامد الخصال في العلم والزهد وكمال العقل...

 

ألقى سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بحضور عدد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية، وحشد من المؤمنين، ومما جاء في خطبته:

يقول الله تعالى في كتابه المجيد: {إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً}(الأحزاب/33). من أئمة أهل البيت(ع)، الإمام الحسن بن علي العسكري، الإمام الحادي عشر الذي صادفت ذكرى وفاته في الثامن من ربيع الأول.

محامد الخصال:

لم يتجاوز الإمام العسكريّ(ع) في حياته سنّ الشباب، ولكنه كان الإمام الذي اجتمعت فيه خصال الفضل، وتقدّمه على أهل عصره بما يوجب له الإمامة ويقتضي له الرئاسة. وهي خصال شملت في ما شملت العلم والزهد وكمال العقل والعصمة والشجاعة والكرم، وكثرة الأعمال التي تقرّبه إلى الله تعالى. ونقرأ في حديث لأحد أركان السلطة الحاكمة في ذلك الوقت: "ما رأيت ولا عرفت بـ"سرّ من رأى" ( سامراء ) رجلاً من العلوية مثل الحسن بن علي بن محمد بن الرضا في هديّه وسكونه وعفافه ونبله وكرمه عند أهل بيته وبني هاشم، وتقديمهم إياه على ذوي السن منهم والخطر، وكذلك لأنّ دوره كان دور القادة والوزراء وعامة الناس".

 

كثرت في هذه المرحلة الأقاويل الضالة المضلة التي تحاول أن تنسب إلى الإسلام ما ليس فيه، لذلك على العلماء المسؤولية الكبرى في ملاحقة كل هذه الشبهات.

لقد بلغ الإمام العسكري(ع) شأواً عظيماً بين الطبقات كافة في زمانه، لأنّ دوره كان دور الإمامة الذي يفتح عقول الناس على الإسلام الأصيل الذي انطلق فيه رسول الله(ص)، وسار عليه أئمة أهل البيت(ع)، على أساس أنهم الأمناء على الرسالة. ورغم حداثة سنّه، فقد تتلمذ عليه الكثيرون من العلماء والرواة، وحاز ثقة المجتمع كله، حتى إنّه كان يقدَّم على شيوخ بني هاشم، وهذا ما شهد به الأعداء كما شهد به الأولياء.

ثقة الناس بأهل البيت(ع):

وكان بنو العباس ـ وهم الخلفاء في ذلك الزمان ـ يخافون من الثقة الكبرى التي كان يمنحها الناس لأهل البيت(ع)، باعتبار أنهم كانوا يعتقدون فيهم الإمامة، ويفضّلونهم على الخلفاء، حتى إن أحد الخلفاء قال لولده: "لو زالت الخلافة عن بني العباس، لما استحقَّها أحدٌ إلا هذا الشخص"، وكان يشير إلى الإمام العسكري(ع). ويُنقل في سيرته(ع)، أنَّ الخليفة العباسي نتيجة حقده الدفين عليه، والخوف منه على السلطة، أمر بسجنه. ثم طلب من السجّان أن يضيّق عليه، فقال له: "ما أصنع به، وقد وكّلت به رجلين من شرّ من قدرت عليه، وقد صارا من العبادة والصلاة والصيام إلى أمر عظيم". ثم أمر هذا السجّان بإحضار الرجلين وقال لهما: "ويحكما، ما شأنكما في أمر هذا الرجل"؟ فقالا له: "ما نقول في رجل يصوم نهاره ويقوم ليله كله، ولا يتكلّم ولا يتشاغل بغير العبادة، فإذا نظر إلينا ارتعدت فرائصنا، وداخلنا ما لا نملكه من أنفسنا"...، فالإمام العسكري(ع) كان يفيض بطاقة روحية بحيث إذا نظر إلى الآخرين، امتلأوا بروحانيته، وتواضعوا له، وخضعوا بين يديه.

رصد الواقع الثقافي:

وينقل لنا بعض تاريخ الإمام العسكري(ع)، أن هناك شخصيّة ثقافيّة في زمانه، ويقال إنّه الفيلسوف الكندي كتب كتاباً ينقد فيه القرآن، فسمع الإمام(ع) بذلك، فقال لأصحابه وتلاميذه: "اذهبوا إليه وناقشوه، فقالوا، إنّنا لا نملك أن نناقشه، فقال: إني أحمّلكم كلاماً إليه، قولوا له: إنك كتبت كتاباً على حسب فهمك لما استظهرته من القرآن، ألا تحتمل أن يكون الذي صنع هذا القرآن يقصد معنى غير المعنى الذي فهمته فيه؟ فذهبوا إليه، وبعد أن شاغلوه بالكلام، قالوا له الكلام الذي حمّلهم إياه الإمام العسكري(ع)، ففكر فيه، وأقرّ بصحته، واستفسر منهم عن مصدره، فقالوا: هو الإمام الحسن بن علي العسكري، فقال: "إن هؤلاء زُقُّوا العلم زقاً"، ومزّق كتابه بعد ذلك.

 

كان بنو العباس يخافون من الثقة الكبرى التي كان يمنحها الناس لأهل البيت(ع)، باعتبار أنهم كانوا يعتقدون فيهم الإمامة ويفضّلونهم على الخلفاء.

وقد كان الأئمة(ع) يرصدون الواقع الثقافي، ويتابعون كلِّ الذين يحاولون أن ينتقدوا الإسلام والقرآن نتيجة بعض الشّبهات التي كانت تطرأ على أذهانهم، الأمر الذي يعني أن على العلماء الذين يملكون الثقافة الإسلامية، سواء كانوا مراجع أو علماء يعيشون في مجال التدريس، أن يدرسوا كل ما يحدث في زمانهم من الشبهات والتحديات التي تُنسب زوراً إلى الإسلام، ليسقطوه في فكره وعند أهله، وقد كثرت هذه الأقاويل الضالة المضلة التي تحاول أن تنسب إلى الإسلام ما ليس فيه، لذلك على العلماء المسؤولية الكبرى في ملاحقة كل هذه الشبهات.

ومن بين الأمور التي عالجها الإمام العسكري(ع)، ما سأل عنه بعض الناس عن مسألة أن {للذكر مثل حظ الأنثيين}، ففصّل الإمام العسكري(ع) طبيعة هذه المسألة بأنّه عندما ندرس المسؤولية التي كلّف الله تعالى بها المرأة، نجد أنه ليس عليها جهاد، والمقاتلون كانوا هم الذين يشترون السلاح والراحلة وبقية المستلزمات، وكذلك ليس عليها إذا تزوّجت أن تنفق على نفسها، ولا على زوجها ولا على أولادها، حتى لو كانت غنية، بل النفقة واجبة على الزوج، والمرأة لا تدفع مهراً، وليس على النساء معقلة، بمعنى أنها لا تشارك في دية أي من أقربائها إذا وجب على أحد من أقربائها دية ولم يكن قادراً على دفعها... فالإمام(ع) تمكّن من إقناع السائلين عندما فصّل هذه الحسابات.

 

لماذا يلجأ السياسيون إلى إدارة الحوار حول قضايا البلد خارج نطاق المؤسسات التي يفترض أن يعالج الجميع فيها قضاياهم، وذلك في نطاق الدولة التي تتكامل في مؤسساتها؟

... وفي ذكرى وفاة الإمام العسكري(ع)، فإننا نتبرّك بذكرى إمامة إمامنا صاحب العصر والزمان(عج)، الذي تسلّم الإمامة بعد وفاة أبيه، كما تسلّم يحيى(ع) النبوة: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيّاً}(مريم/12)، وكما تسلّم عيسى(ع) النبوَّة: {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيّاً}(مريم/30)، وننطلق مع ذكرى الأئمة من أهل البيت(ع)، ونعيش روحية الانتظار للإمام الذي يُخرجه الله تعالى في نهاية المطاف، ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً. اللهم اجعلنا من جنوده وأتباعه والسالكين سبيله.

الخطبة الثانية

بسم الله الرَّحمن الرحيم

عباد الله... اتقوا الله، وواجهوا الموقف الذي نعيش فيه التحديات والصدمات والعقبات، بالوحدة الإسلامية التي يقف فيها المسلمون صفاً واحداً لمواجهة كلِّ المستكبرين والظالمين، فماذا هناك:

أمريكا... السرطان السياسي والأمني في المنطقة:

في المشهد الأمريكي، تعترف وزيرة خارجية الولايات المتحدة الأمريكية أنّ إدارتها "ارتكبت آلاف الأخطاء التكتيكية في المنطقة، ومنها احتلال العراق"... والسؤال: مَن الذي يدفع ثمن هذه الأخطاء، ولاسيما إذا كانت نتائجها عشرات الآلاف من القتلى والجرحى؟ وماذا تنتظر المنطقة من أثمان للأخطاء الجديدة التي ربما تكون استراتيجية في حجمها، وذلك من حيث اتصالها بمصائر الشعوب التي لا تحترمها الإدارة الأمريكية في سياستها المرتكزة على مصالحها الاستكبارية، وهذا ما تمارسه ضد الشعب الفلسطيني في الدعم المطلق لإسرائيل في مشاريعها الاستيطانية، ومحاصرتها لـه في اقتصاده، بقطع المساعدات عنه لمعاقبة حكومته المنتخَبة؟!

 

إن المخاطر في المرحلة الحاضرة تهددنا جميعاً، وتنذر بالسقوط الكياني للجميع، في الوقت الذي تزداد إسرائيل قوة، ونزداد ضعفاً، وخصوصاً عندما تتحرك بعض الأنظمة لتنفيذ المخطط الأمريكي ـ الإسرائيلي في الضغط على الواقعين العربي والإسلامي.

إنَّ الإدارة الأمريكية تعمل على إرباك الواقع السياسي في العراق، بالضّغط عليه، ومنعه من اختيار رئيس حكومته المرشح بطريقة ديمقراطية بحسب الدستور، ثم منع أية حكومة سابقة أو لاحقة من الحصول على عناصر القوة الأمنية والاقتصادية، والإعلان المستمر بأنّ الاحتلال سيبقى جاثماً على أرض العراق من خلال القواعد الأمريكية العسكرية الجديدة، وإبقاء حال الفوضى الأمنية التي تجتاح العراقيين وتصنع المأساة في بلادهم، من خلال التفجيرات والمجازر اليومية المتنقلة، والتي كان آخرها المجزرة الوحشية في النجف الأشرف...

إن شعوب المنطقة ترى في أمريكا السرطان السياسي والأمني الذي يمنع الناس من الاستقرار، ويحول دون تطوّرهم، ويهدّد نموّهم الاقتصادي تحت شعارات خادعة لا تلتزم بها هذه الإدارة، كحقوق الإنسان، ومكافحة الإرهاب، ونشر الديمقراطية، بل إنها تحركها كعناوين لتبرير سيطرتها على العالم.

ولعلَّ من بين هذه الوسائل، موقف الإدارة الأمريكية من الملف النووي الإيراني السلمي، الذي تثير ـ من خلاله ـ الحرب الدبلوماسية ضد إيران، وتضغط على الاتحاد الأوروبي لمشاركتها في ذلك، وتصل بالأمر إلى التهديد العسكري في الهجوم على إيران، بينما تتحالف مع إسرائيل، وتبرر لها امتلاكها لأسلحة الدمار الشامل!!

ومن جانب آخر، فإن أمريكا تعمل على التدخّل السياسي في لبنان، من خلال حلفائها، والذين يضغطون على المقاومة لنزع سلاحها، تحت تأثير حجج غير واقعية، في الوقت الذي لا يملك هؤلاء أية خطة دفاعية واقعية للدفاع عن لبنان ضد العدو الإسرائيلي في تهديداته واعتداءاته المتواصلة... ذلك فضلاً عن إرباك العلاقات السورية ـ اللبنانية، وإبقاء الوضع في حال من الاهتزاز المتحرك، من خلال بعض المحاور المعادية لانفتاح لبنان على محيطه العربي، في خط التكامل الأمني والسياسي والاقتصادي، الذي هو القاعدة لازدهار الوطن في نموّه وتطوّره.

 

إن شعوب المنطقة ترى في أمريكا السرطان السياسي والأمني الذي يمنع الناس من الاستقرار، ويحول دون تطوّرهم، ويهدّد نموّهم الاقتصادي، تحت شعارات خادعة لا تلتزم بها هذه الإدارة، كحقوق الإنسان، ومكافحة الإرهاب، ونشر الديمقراطية، بل إنها تحركها كعناوين لتبرير سيطرتها على العالم.

إننا نتوجه إلى شعوب المنطقة في العالمين العربي والإسلامي، أن يرتفعوا إلى مستوى المسؤولية في مواجهة هذا الخطر الأمريكي ـ الإسرائيلي، الذي انضم إليه التحالف الأوروبي، من أجل تأكيد القاعدة الاستقلالية، والسعي إلى التكامل والتواصل الاقتصادي، وتوحيد الجهود والطاقات في عملية صنع القوة، ولاسيما في دعم الحكومة الفلسطينية الجديدة التي يُراد إحكام الحصار عليها، لمنعها من تنفيذ مشاريعها التنموية.

إنَّ المخاطر في المرحلة الحاضرة تهددنا جميعاً، وتنذر بالسقوط الكياني للجميع، في الوقت الذي تزداد إسرائيل قوّةً ونزداد ضعفاً، وخصوصاً عندما تتحرك بعض الأنظمة لتنفيذ المخطط الأمريكي ـ الإسرائيلي في الضغط على الواقعين العربي والإسلامي.

لبنان: الالتزام بالحوار داخل المؤسَّسات:

أمَّا في لبنان، فقد تحوَّل الحوار إلى ما يشبه حوار الطرشان، مع ملاحظة بارزة، وهي أنه لماذا يلجأ السياسيون إلى إدارة الحوار حول قضايا البلد خارج نطاق المؤسسات التي يفترض أن يعالج الجميع فيها قضاياهم، وذلك في نطاق الدولة التي تتكامل في مؤسساتها؟ والسؤال: أليس هذا دليلاً على عدم الثقة بالمؤسسات التي أصبحت موقعاً للتجريح والمهاترات وإثارة الشتائم والسباب والأساليب اللامسؤولة؟

وإذا كانت الحكومة تتحدث عن مشروعها الإصلاحي، فإننا نتساءل مع الشعب: هل يحمل هذا المشروع المزيد من الضرائب التي تثقل كاهل الناس، وخصوصاً الطبقات المحرومة؟ وهل تحل لها مشاكلها الاقتصادية؟ ثمّ، هل يمكن حلّ المسألة الاقتصادية من دون حلّ المسألة السياسية التي تنظم للبلد مواقع المسؤولية في عملية التخطيط لمواجهة التحديات الصعبة التي يضجّ من خلالها الفقراء في المناطق المحرومة؟ وهل هناك في المشروع الإصلاحي خطة دفاعية تمنع العدو من الاعتداء على البلد؟ وهل هناك خطة لتوفير فرص العمل للشباب حتى لا تصادرهم الهجرة؟ وكيف نمنح المعلّمين والموظفين والعمّال حقوقهم التي يستطيعون من خلالها العيش الكريم؟

 

لقد بلغ الإمام العسكري(ع) شأواً عظيماً بين الطبقات كافة في زمانه، لأنّ دوره كان دور الإمامة الذي يفتح عقول الناس على الإسلام الأصيل الذي انطلق فيه رسول الله(ص) وسار عليه أئمة أهل البيت(ع)، على أساس أنهم الأمناء على الرسالة.

إنها أسئلة تفرض على الدولة وعلى المتحاورين دراستها قبل أن يسقط البلد تحت تأثير الإفلاس الاقتصادي والانهيار المالي، بعدما وقع تحت تأثير الإفلاس السياسي. ليست هذه الأسئلة أسئلة التحدي، ولكنها صيحات الصراخ الشعبي الغارق في مشاكله المصيرية.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية