قرأت مقالةً تحت عنوان «رفع سنّ الحضانة، لا تتفاءلوا بالاجتهاد المفتوح»، استصرحت فيها الكاتبة راجانا حميّة مجموعة من المشايخ أدلوا برأيهم حول «سنّ الحضانة» وعدم إمكانيّة رفعه، وحيث إنّ هذه الاستصراحات تحتوي على جملة من الشّبهات والمغالطات، كان هذا الردّ والتّوضيح. ومع احترامي وتقديري لهؤلاء المشايخ، فقد استوقفني قول أحدهم:
أـ «أنّه لم يثبت أنّ حقّ الحضانة فيه نصّ صريح... إلا أنّ هناك ما يشبه الإجماع على هذا الموضوع...».
دعوى أنّه لا يوجد نصّ صريح في حقّ الحضانة، كلام يخالف واقع النّصوص، فالنّصوص موجودة وصريحة في تحديد سنّ الحضانة، إلا أنّها ـ وللأسف ـ متعارضة ومتضاربة، فهي إمّا تشير إلى «الفطام «السنتان» و«السبع سنوات»، أو «أنّ الولد يبقى في حضانة أمّه إلى أن تتزوّج»، أو «أنّ الأب يختار بين أن يدعه في حضانة أمّه أو يأخذه». والفقهاء رجّحوا التّفصيل بين الذّكر والأنثى، واختاروا نصوص القسم الأوّل، فالسنتان للصبيّ والسّبع سنوات للبنت، مع أنّ نصوص السبع سنوات لا تفرّق بين الصبيّ والبنت.
هنا يُسجّل موقف متقدّم للعلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله (ره)، حيث جعل سنّ الحضانة سبع سنوات للصبي والبنت، وسبب فتواه هذه، عدم وجود ما يساعد على التّفريق بينهما.
ب ـ قال آخر، بعد أن فرّق بين الحكم التأسيسي والحكم التّدبيريّ، إنّه «حتى مع الحكم التدبيريّ... لا يمكن تجاوز الآراء التاريخيّة المبحوثة علميّاً». هذا الكلام هو تعبير آخر عن الإجماع، والإجماع ـ ويعرف الأخ الفاضل ذلك ـ لا قيمة علميّة مستقلّة له، وخصوصاً إذا كان هذا الإجماع مستنداً إلى النّصوص الشرعيّة، هذا إن وُجد الإجماع. والمراد هنا إجماع العلماء عبر العصور، والقيمة الحقيقيّة هي للنّصوص، وفي هذه الحالة، لا يُلتفت إلى الإجماع، فهو مجرّد اجتهاد شخصيّ، وهو غير ملزم، إنما الملزم هو النّصوص، ويتأكّد هذا الأمر إذا كان الموضوع تدبيريّاً، والمقصود منه بيان الطّريق الصّحيح الّذي يجب أن يختاره المكلّف لتدبير أموره الحياتيّة والشخصيّة بما يتوافق مع مصلحة جميع الأطراف. والحضانة أمر تدبيريّ، وما دامت النّصوص متضاربة، فعلى الباحث أو الفقيه أن يبحث عن الطّريقة الفضلى لتدبير أمر الطّفل في فترة الحضانة، بما يتوافق مع النّصوص، هنا يصحّ الحديث عن مصلحة الطّفل، أين تكون؟ هل من مصلحة الطّفل أن يُنزع من أمّه وهو بعمر السنتين؟ وما هو الفرق في البنت حتّى نجعل سنّ الحضانة لها سبع سنوات؟ هذا الفرق غير واضح.
مع أنّ هناك مرحلة من العمر تتجاوز السنوات السّبع فيما يتعلّق بالبنت، هذه المرحلة لا يعرف الأب عنها شيئاً، بل إنّ الفتاة تخجل أن تتحدّث مع أبيها بهذا الموضوع الخاصّ، أعني على وجه التحديد، حالة التحوّل الأنثويّة الّتي تلاحظ فيها البنت التغيّر على المستوى الجسدي. هنا تأتي على ذهنها أسئلة عديدة: لماذا؟ وماذا يجب أن تفعل؟ وغير ذلك من الأسئلة الّتي لن تجد الجواب عنها إلا عند أمّها.
وفي الختام أقول، إنّه لا صعوبة في الوصول إلى اجتهاد جديد في هذه القضيّة، وفتوى السيّد فضل الله(ره) هي موقف متقدّم، وذهب إلى هذا الرّأي السيّد محمد صادق الرّوحاني. والسيّد السيستاني ذهب إلى أنّ الأمّ أحقّ بالولد بعد الطّلاق ما لم تتزوّج، وأنّه لا بدَّ من توافقهما «الزّوجين» على ممارسة حقّهما المشترك بالتّناوب أو بأيّة كيفيّة أخرى يتّفقان عليها. لكن مع ذلك، يمكن من خلال دراسة النّصوص الخاصّة بالحضانة والعامّة الّتي تلاحظ مصلحة الطّفل، الوصول إلى رفع سنّ الحضانة، لكن ليس سنّ 18 كما يريد البعض، ثم لا بدّ من التّفريق بين الحضانة والولاية، بمعنى أنّ الأب هو الوليّ الشّرعي للطّفل، والحضانة هي مجرّد تدبير شؤونه، فيستطيع الأب أن يمارس ولايته على طفله وهو في أحضان أمّه.
المصدر: جريدة الأخبار اللّبنانيّة.
إن الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبِّر بالضرورة عن رأي الموقع ، وإنما عن رأي صاحبه .

قرأت مقالةً تحت عنوان «رفع سنّ الحضانة، لا تتفاءلوا بالاجتهاد المفتوح»، استصرحت فيها الكاتبة راجانا حميّة مجموعة من المشايخ أدلوا برأيهم حول «سنّ الحضانة» وعدم إمكانيّة رفعه، وحيث إنّ هذه الاستصراحات تحتوي على جملة من الشّبهات والمغالطات، كان هذا الردّ والتّوضيح. ومع احترامي وتقديري لهؤلاء المشايخ، فقد استوقفني قول أحدهم:
أـ «أنّه لم يثبت أنّ حقّ الحضانة فيه نصّ صريح... إلا أنّ هناك ما يشبه الإجماع على هذا الموضوع...».
دعوى أنّه لا يوجد نصّ صريح في حقّ الحضانة، كلام يخالف واقع النّصوص، فالنّصوص موجودة وصريحة في تحديد سنّ الحضانة، إلا أنّها ـ وللأسف ـ متعارضة ومتضاربة، فهي إمّا تشير إلى «الفطام «السنتان» و«السبع سنوات»، أو «أنّ الولد يبقى في حضانة أمّه إلى أن تتزوّج»، أو «أنّ الأب يختار بين أن يدعه في حضانة أمّه أو يأخذه». والفقهاء رجّحوا التّفصيل بين الذّكر والأنثى، واختاروا نصوص القسم الأوّل، فالسنتان للصبيّ والسّبع سنوات للبنت، مع أنّ نصوص السبع سنوات لا تفرّق بين الصبيّ والبنت.
هنا يُسجّل موقف متقدّم للعلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله (ره)، حيث جعل سنّ الحضانة سبع سنوات للصبي والبنت، وسبب فتواه هذه، عدم وجود ما يساعد على التّفريق بينهما.
ب ـ قال آخر، بعد أن فرّق بين الحكم التأسيسي والحكم التّدبيريّ، إنّه «حتى مع الحكم التدبيريّ... لا يمكن تجاوز الآراء التاريخيّة المبحوثة علميّاً». هذا الكلام هو تعبير آخر عن الإجماع، والإجماع ـ ويعرف الأخ الفاضل ذلك ـ لا قيمة علميّة مستقلّة له، وخصوصاً إذا كان هذا الإجماع مستنداً إلى النّصوص الشرعيّة، هذا إن وُجد الإجماع. والمراد هنا إجماع العلماء عبر العصور، والقيمة الحقيقيّة هي للنّصوص، وفي هذه الحالة، لا يُلتفت إلى الإجماع، فهو مجرّد اجتهاد شخصيّ، وهو غير ملزم، إنما الملزم هو النّصوص، ويتأكّد هذا الأمر إذا كان الموضوع تدبيريّاً، والمقصود منه بيان الطّريق الصّحيح الّذي يجب أن يختاره المكلّف لتدبير أموره الحياتيّة والشخصيّة بما يتوافق مع مصلحة جميع الأطراف. والحضانة أمر تدبيريّ، وما دامت النّصوص متضاربة، فعلى الباحث أو الفقيه أن يبحث عن الطّريقة الفضلى لتدبير أمر الطّفل في فترة الحضانة، بما يتوافق مع النّصوص، هنا يصحّ الحديث عن مصلحة الطّفل، أين تكون؟ هل من مصلحة الطّفل أن يُنزع من أمّه وهو بعمر السنتين؟ وما هو الفرق في البنت حتّى نجعل سنّ الحضانة لها سبع سنوات؟ هذا الفرق غير واضح.
مع أنّ هناك مرحلة من العمر تتجاوز السنوات السّبع فيما يتعلّق بالبنت، هذه المرحلة لا يعرف الأب عنها شيئاً، بل إنّ الفتاة تخجل أن تتحدّث مع أبيها بهذا الموضوع الخاصّ، أعني على وجه التحديد، حالة التحوّل الأنثويّة الّتي تلاحظ فيها البنت التغيّر على المستوى الجسدي. هنا تأتي على ذهنها أسئلة عديدة: لماذا؟ وماذا يجب أن تفعل؟ وغير ذلك من الأسئلة الّتي لن تجد الجواب عنها إلا عند أمّها.
وفي الختام أقول، إنّه لا صعوبة في الوصول إلى اجتهاد جديد في هذه القضيّة، وفتوى السيّد فضل الله(ره) هي موقف متقدّم، وذهب إلى هذا الرّأي السيّد محمد صادق الرّوحاني. والسيّد السيستاني ذهب إلى أنّ الأمّ أحقّ بالولد بعد الطّلاق ما لم تتزوّج، وأنّه لا بدَّ من توافقهما «الزّوجين» على ممارسة حقّهما المشترك بالتّناوب أو بأيّة كيفيّة أخرى يتّفقان عليها. لكن مع ذلك، يمكن من خلال دراسة النّصوص الخاصّة بالحضانة والعامّة الّتي تلاحظ مصلحة الطّفل، الوصول إلى رفع سنّ الحضانة، لكن ليس سنّ 18 كما يريد البعض، ثم لا بدّ من التّفريق بين الحضانة والولاية، بمعنى أنّ الأب هو الوليّ الشّرعي للطّفل، والحضانة هي مجرّد تدبير شؤونه، فيستطيع الأب أن يمارس ولايته على طفله وهو في أحضان أمّه.
المصدر: جريدة الأخبار اللّبنانيّة.
إن الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبِّر بالضرورة عن رأي الموقع ، وإنما عن رأي صاحبه .