قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ}[المائدة: 104].
يحكي القرآن عن المحافظين الجامدين على الموروث العقائديّ المتابعين والمقلّدين لآبائهم وأقوامهم وعشائرهم وأحزابهم في العقائد، بدون معرفة وتفكير وتَرَوٍّ، بل المنغمسين في الجهل، فالمولى سبحانه يقول: أنتم سمعتم كلام هؤلاء الّذين قلّدتموهم جميعاً، فتعالوا اسمعوا كلام الله وما أنزله على رسوله الكريم، ثم تدارسوا هذه العقائد وحَكِّموا عقولكم وتفكّروا فيها، حتى يتبيّن لكم الخطأ من الصّواب.
ولكنّهم يجيبون المولى ويقولون له يكفينا عادات الآباء، فهي مقدّسة عندنا وصحيحة ولا نتخلّى عنها.
ويجيبهم المولى: أولو كان آباؤكم جهلة لا يعلمون شيئاً؟ أولو كان آباؤكم ضالّين لا يهتدون طريقاً؟ وهذا تعجّب من استمرار هؤلاء على تقليدهم الأعمى.
والعقيدة مأخوذة من العقد، وهو الرّبط بين شيئين بشكل محكم وقويّ، بحيث يصعب فكّه. فالعقيدة للإنسان شيء يلازمه ملازمة الغذاء المادّيّ للجسد، وملازمة الغذاء المعنويّ للرّوح، فكذلك العقيدة الذّهنيّة للمؤمن المسلم.
وفي نظر العلماء، فإنَّ التّقليد عبارة عن تقبّل رأي الآخرين من دون المطالبة بالدّليل والبرهان.
والعقل بفطرته يمنع من التّقليد، ويريد أن يكون الإنسان مستقلاً ولا يقلّد الآخرين إلا في الحالات الّتي تستثنى، كما في فروع الدّين. نعم، هو يستفيد من خبرة الآخرين وجهودهم العلميّة والمعرفيّة، ولكن عليه أن يُكوّن له رأياً اتّفق مع الآخرين أو اختلف، فالعقل لا يجيز الاعتماد على التّقليد في العقائد، وذلك:
1- لأنّ العقائد هي أساس كلّ شيء في حياة الإنسان ومعارفه.
2- لأنّها الأساس من النّاحية العمليّة، فمن الأمور الضّروريّة أن نعتبر التّقليد في أصول العقائد مخاطرة بالإنسان من النّاحية الفرديّة والاجتماعيّة، فلا يجيزها العقل.
3- أنّ التقليد لا يكسب الإنسان علماً، والعقائد يجب أن تعتمد على العلم والمعرفة، بل على اليقين بما يعتقد.
فلو ارتفع التّقليد في العقائد، لارتفعت أكثريّة النزاعات؛ فإنّ كلّ دين أو مذهب يدّعي أنّ عقائده وطريقه هو الصّحيح، وأنّ غيره على باطل، ويحشد في ذلك تأييداته لهذا، وتصوّراته وهجومه على من يخالفه، وربّما استباح دم من يخالفه لأتفه الأسباب، وليس ذلك إلا لأنّه كان مقلّداً لغيره، ولو كان النّاس يبحثون في عقائدهم الدّينيّة ورؤاهم السياسيّة والفكريّة، لارتفعت كثير من النزاعات، بل لارتفعت أكثرها، ولتقاربت الأديان والمذاهب، بل لاتّضح الصّحيح من غيره. فمشكلة المشاكل هي تقليد الغير في الأمور العقديّة الّتي تسيطر على حياة الإنسان، فيبقى أكثريّة الناس منقادين إلى الجهل والتّقليد الأعمى، وإذا كانت القيادة قاصرة أو مقصّرة أو جاهلة وليست بأهل، فإنها تقود مقلّديها إلى الهلاك، وهذا ما نراه واضحاً في الأمور السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة، بل والدّينيّة كذلك، ففتاوى التّكفير والتّضليل والتّفسيق وإباحة دماء المخالفين لهم، قائمة على قدم وساق، وتطفو على السّاحة، يتلقّاها البسطاء والجهّال بكلّ رحابة صدر، فينعقون مع كلّ ناعق.
لقد تعدّدت الآيات القرآنيّة الّتي تستنكر التقليد للآباء والأمّهات والعشائر والأحزاب والمنظّمات في أصول العقائد، واعتبرت ذلك من الجهل والضّلال والغباء وعدم التّفكير، ومن العبوديّة للبشر، وإليك بعض هذه الآيات:
العلم هو الأساس في التّعامل:
قال تعالى: {وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً}[الإسراء: 36]
هذه من أهمّ القواعد الشرعيّة العقليّة الّتي تدعو الإنسان إلى أن يعتمد في تفكيره وعقيدته على العلم واليقين، وأن يتجنّب الظّنون والاحتمالات، وأنّ هذه الحواسّ يجب أن تستعمل فيما خلقت لأجله، وإذا استعملت في غير وظائفها فسوف يكون مسؤولاً عن تصرّفه الخاطئ أمام الله سبحانه.
فالآية تحرّم على الإنسان أن يقول أو يشهد أو يُكوّن رؤية بدون علم، ولا سيّما في الجانب العقدي.
كما أنّ الآية تستصرخ الضّمير الإنسانيّ، وتؤيّد حكم العقل بالتّنديد بالتّقليد الأعمى في الجانب العقديّ، والرّكون إلى الأوهام والظّنون الّتي لا تغني من الحقّ والحقيقة شيئاً.
التّفكير والتعقّل أساس الوصول إلى العقيدة:
قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابَّ عِندَ اللهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ}[الأنفال: 22].
إنَّ شرَّ من يمشي على الأرض ليسوا الصّمّ والبكم الّذين فقدوا الحواسّ الجارحة، مثل السّماع أو القدرة على النّطق، بل هم من فقدوا التعقّل والتّفكير في المسائل العقديّة، و(دلّت هذه الآية على أنّ المراد بالسّمع هو التعقّل، وهو السّمع الباطني، كما أنّ المراد بالبصر هو الرّؤية الباطنيّة)، وأصبحوا يلفّقون العقائد، ويكثرون من القصص والمنامات أو الأخبار الضّعيفة، أو حتّى أخبار الآحاد الّتي لا ترقى إلى العلم واليقين.
عدم التّفكير طريق إلى النّار:
قال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ}[الأعراف: 179].
ذرأنا: أي خلقنا كثيراً من الجنّ والإنس لجهنَّم، هؤلاء الّذين يدخلون النَّار نتيجة تمرّدهم وعصيانهم لخالقهم، ثم ذكر مواصفاتهم:
1- لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا: أي معطّلة عن التّفكير والتدبّر.
2- وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بها: أي عطّلوا أعينهم عن رؤية الحقّ والشّواهد الرّبوبيّة والألوهيّة وعمّا تنطوي عليه فلسفة أصول العقيدة.
3- وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بها: لأنّهم عطلوا أسماعهم عن الاستماع إلى نداء الحقّ والأدلّة على الحقّ والإذعان إليه.
وأمّا القلوب الميتة بموت الجهل، فحالهم كما قال تعالى فيهم: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء}[النّمل: 80].
فهذه الجوارح وجودها وعدمها عندهم على حدّ سواء، بل هم يفقدون الحواسّ الحقيقيّة الباطنيّة، وإن كانت الحواسّ الظّاهريّة موجودة لديهم ويتمتّعون بصحتها.
{أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}[الحجّ: 46].
قال تعالى: {وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُواْ حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلاَ يَهْتَدُونَ}[المائدة: 104].
ويدعو تعالى إلى التفكّر: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىَ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}[آل عمران: 191].
المصدر: موقع الشّيخ حسين الرّاضي[بتصرّف]
إن الآراء الواردة في هذا المقال لا تعبِّر بالضرورة عن رأي الموقع ، وإنما عن رأي صاحبه .