المرجع فضل الله: لنكن المتّقين الأحرار في كلّ مواقفنا

المرجع فضل الله: لنكن المتّقين الأحرار في كلّ مواقفنا

بالعودة إلى أرشيف خطب الجمعة لسماحة العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض)، نسترجع المواقف والدّروس الّتي ألقاها في الخطبة الدّينيّة لصلاة الجمعة من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع)، وذلك بتاريخ 8 شوّال العام 1428ه/ الموافق 19/10/2007م، حيث تحدَّث عن موضوع المتّقين، لافتاً إلى أهميَّة السّعي للحصول على مغفرة الله، بما يؤكِّد إخلاص المؤمن لربّه، والّذي يكون عبر ممارسة التّقوى في القول والعمل:

 "يقول الله سبحانه تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربّكم وجنَّةٍ عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين* الذين ينفقون في السرّاء والضرّاء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحبّ المحسنين* والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون* أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنَّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين}(آل عمران: 133-136)

في هذه الآيات، يدعو الله سبحانه وتعالى الناس كافةً إلى أن يسارعوا، من خلال أعمالهم وأقوالهم وعلاقاتهم ومعاملاتهم، إلى الحصول على مغفرة الله في ما أذنبوا وأخطأوا، حتى إذا استغفروا ربهم وأخلصوا له، غفر الله لهم، ووقفوا بين يديه غداً وهم في مغفرة ورضى من الله سبحانه وتعالى، وكان جزاؤهم الحصول على الجنّة.

وقد يتحدّث أيضاً عن أنّ الحصول على الجنة لا بدّ فيه من تحصيل عدة سلوكيات؛ وأوّلها تحصيل ملكة التقوى في النفس، والتقوى على قسمين؛ فهناك التقوى الشخصية، وهي أن يأتي الإنسان بعباداته التي فرضها الله عليه، وأن يترك المحرمات التي نهاه عنها.

وهناك التقوى الاجتماعية، وهي التي تتصل بعلاقات الإنسان بالنّاس، ففي المجتمع أناس يعيشون الحاجة، لأنهم لا يملكون شروط العيش الكريم، إمّا لأنهم لا يملكون فرصةً للعمل، أو لأنهم لا يستطيعون العمل، لمرض أو لغير ذلك، أو لأنهم من الأيتام الّذين لا عائل لهم، أو لأنهم من الأسرى الذين لا يملكون الظروف التي يستطيعون إدارة أمورهم فيها. فطريق التقوى في مثل هذه الحال، تتمثّل بالإنفاق على هؤلاء الناس مما رزقك الله من مال، سواء كان ذلك في سعةٍ من أمرك، أو كان في ضيق منه، {الذين ينفقون في السرَّاء والضرَّاء}، بأن تعطي من مالك الذي حصّلته بجهدك، ولو كان هذا المال قليلاً، كما يُقال: "القليل أفضل من الحرمان".

فالإنسان الذي ينفق من ماله يأخذ بأسباب التّقوى، باعتبار أنه ينفق حباً لله وخوفاً منه ووفاءً له، لأنّ الله يقول: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه}(الحديد: 7)، بمعنى أن المال الذي يعطيكم الله إياه، أنتم وكلاء على صرفه في الموارد التي أمركم الله أن تصرفوه فيه؛ ربما بعض الناس يقول لك هذا مالي وأنا حرّ في أن أصرفه في أي شيء، حلالاً كان أو حراماً! لا، أنت لست حراً في ذلك، لأنّ الله جعلك وكيلاً على هذا المال ومؤتمناً عليه، لذلك فهو ليس مالك، بل هو مال الله، {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم}(النور: 33)، لأنّ المال مال الله، وأنت ومالك وحياتك كلكم لله، {وما بكم من نعمة فمن الله}(النّحل: 53) {وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها}(إبراهيم: 34). الله يقول أنا أعطيتك مالاً، ومصرف المال هو هذا {وفي أموالهم حقّ للسائل والمحروم}"(الذاريات: 19).

وينتقل سماحته إلى الإنفاق كعنوان من عناوين الإسلام الكبرى:

"إنّ الله سبحانه رزقك المال، وجعل لك مسؤولية الإنفاق على الفقراء والمساكين، وأن تنفق على زوجتك وعيالك، وليس لك أن تمتنع عن الإنفاق على عيالك لتصرف مالك في شهواتك، كبعض الذين يحصلون على المال وينفقونه في القمار، أو ينفقونه في شهواتهم ولذّاتهم، ويحرمون أهلهم (زوجتهم وأولادهم) من ذلك. وهنا نلفت إلى نقطة مهمة، وهي أن نفقة الزوجة هي حقّ لها، ولا يحقّ للزوج أن يترك زوجته بلا مال، حتى لو كانت الزوجة موظَّفةً، فالإنفاق على الزوجة هو حقّ لها على الزوج."

ويشير إلى صفات المتقين الذين يتصفون بالبرّ والإنفاق وكظم الغيظ والعفو عند المقدرة والإحسان والندم والتراجع عن المعصية:

 "أمّا نتائج التقوى، فهي أنّ الله أعدَّ الجنّة بكلّ نعيمها للمتقين، الذين يتّقونه ويخافونه ويراقبونه ويحبّونه، والصّفة الأولى لهؤلاء المتّقين، كما ذكر سبحانه، أنّهم ينفقون في السرّاء والضرّاء.

الصفة الثانية لهم هي: {الكاظمين الغيظ}، وهو الإنسان الذي إذا واجه مشكلةً بينه وبين آخرين، سواء في المحيط العائلي أو في المحيط الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي، يكظم غيظه في صدره، ولا يفجّره بشتمٍ أو سبٍّ أو ضربٍ أو ما إلى ذلك، وكظم الغيظ من الصفات التي ترتفع بإيمان الإنسان، حتى ورد أنّ: "من كظم غيظاً وهو يقدر على إمضائه، حشا الله قلبه أمناً وإيماناً يوم القيامة".

الإمام عليّ(ع) يقول: "متى أشفي غيظي إذا غضبت؛ أحين أعجز عن الانتقال، فيقال لي: لو صبرت، أم حين أقدر عليه فيقال لي: لو عفوت؟"، يعني في كلا الحالي، ينبغي للإنسان أن يكظم غيظه، فيعفو عند المقدرة، ويصبر عند العجز.

أيضاً، في حديثٍ للإمام زين العابدين(ع) عن كظم الغيظ يقول: "إن أحلى جرعة أتجرّعها هي أن أكظم غيظي"، بمعنى أنّي ما تجرّعت جرعةً أحبَّ إليَّ من كظم الغيظ، لأنّك عندما تحبس غيظك في نفسك، فإنّك بذلك تتمالك أعصابك، لتصبح قوّتك في موقفك، وليس في كلمتك وضربتك.

{والعافين عن الناس}، هذه هي الصفة الثالثة للمتّقين؛ إنّ الله سبحانه يقول: {وأن تعفو أقرب للتقوى}، أنت تقدر أن تأخذ حقَّك، والله جعل لك الحريّة في أن تأخذ حقك، لكن إذا دار الأمر بين أن تأخذ حقك أو أن تعفو، فالأقرب إلى التّقوى هو أن تعفو، باعتبار أنّ موقفك هذا يدلّ على سموّ أخلاقك.{

{والله يحبّ المحسنين}، إذ لا يكفي أن تكظم غيظك وتعفو عمّن ظلمك، بل أن تحسن إليه. وقد ورد في سيرة الإمام زين العابدين(ع)، أنّه كانت لديه جارية، وكانت تصبّ الماء على يديه، ويبدو أنّ الإبريق كان من نحاس، وقد تشاغلت الجارية بالنّظر، فوقع الإبريق على رأس الإمام وشجّه، فسال الدم، قالت: "يا مولاي، إنّ الله يقول: {والكاظمين الغيظ}، فقال لها: كظمت غيظي، قالت: {والعافين عن الناس}، قال: عفا الله عنك، قالت: {والله يحبّ المحسنين}، قال: اذهبي أنت حرةٌ لوجه الله".

ثم يكمل الله سبحانه حديثه عن صفات المتقين، فيقول تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشةً ـ والفاحشة هي العمل الذي يتجاوز به الحدّ الطبيعي، أو الحدّ المسموح به ـ أو ظلموا أنفسهم ـ بالمعصية، فهناك بعض الناس عندما تصدر عنه خطيئة، ويتجاوز الحدود الشرعيّة، يستمرّ في خطئه، وهناك من يتذكر فيقف ويقول: كيف عصيت الله، وكيف ظلمت نفسي بالمعصية، وتجاوزت الحدود الشرعيّة؟! فالمتّقون هم الذين إذا قاموا بشيء من ذلك ـ ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ـ طالبين من الله المغفرة والرّضوان ـ ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصرّوا على ما فعلوا ـ بأن يبقوا على خطيئتهم وظلامتهم لأنفسهم، بل إنّهم يتراجعون عمّا فعلوا ـ وهم يعلمون}.

{أولئك جزاؤهم مغفرةٌ من ربِّهمـ فالله يغفر لمن يستغفره ويتوب إليه، ولا يصرّ على خطيئته ـ وجنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين}".

وختم سماحته بالتأكيد على التمسّك بحرية الإرادة أمام كلّ النزوات والضغوطات، حتى نكون فعلاً الأحرار في دنيانا وآخرتنا:

"على الإنسان أن يخيِّر نفسه؛ بين أن يكون من المتقين، الكاظمين الغيظ، العافين عن الناس، المحسنين، المنفقين في السرّاء والضرّاء، المستغفرين الله، ليحصل بذلك على جنّةٍ عرضها السماوات والأرض، وبين النّار! كما وقف الحرّ بن يزيد الرياحي، عندما كان قائد جيش بني أمية، وقد توجّه لقتال الحسين(ع)، وعندما رأى أن الأمر قد وصل إلى حدّه، وكان الرجل في حالة إيمان، ولم يكن كبقية قادة الجيش وأفراده، وقف حتى يأخذ القرار، وهو قرار صعب، فأصابته رعدة، وصار يرتجف، فرآه أحد أصحابه على هذه الحالة، فقال له: أترتعد؟! والله لو قيل لي من أشجع أهل الكوفة ما عدوتك، فقال الحرّ: "إني أخيّر نفسي بين الجنّة والنار ـ النار بأن أقاتل الحسين، والجنّة بأن أنفصل عن بني أميّة وأتوب إلى الله وأذهب إلى الحسين ـ ثمّ حسم أمره قائلاً: فهل أبقى على هذه الزّعامة، أو أتحوَّل إلى جندي من جنود الحسين؟ ـ ووالله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قطّعت وحرّقت. الجنة لا شيء يساويها؛ لا مال ولا قيادة ولا زعامة. وذهب الحرّ إلى الحسين(ع)، واستشهد بين يديه، وأبّنه الحسين(ع) وقال فيه: "أنت الحرّ كما سمّتك أمّك ـ الحرّ هو الذي يملك إرادته، أمّا الذي لا يملك إرادته، ويكون خاضعاً لشهواته ورغباته، فهو ليس حراً ـ حرّ في الدنيا وسعيدٌ في الآخرة".

لنكن، أيها الأحبة، الأحرار، كما قال أمير المؤمنين(ع): "لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً"، ولننطلق لنكون الأحرار أمام شهواتنا وأمام كلّ الناس، والعبيد أمام الله تعالى". 

بالعودة إلى أرشيف خطب الجمعة لسماحة العلامة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض)، نسترجع المواقف والدّروس الّتي ألقاها في الخطبة الدّينيّة لصلاة الجمعة من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع)، وذلك بتاريخ 8 شوّال العام 1428ه/ الموافق 19/10/2007م، حيث تحدَّث عن موضوع المتّقين، لافتاً إلى أهميَّة السّعي للحصول على مغفرة الله، بما يؤكِّد إخلاص المؤمن لربّه، والّذي يكون عبر ممارسة التّقوى في القول والعمل:

 "يقول الله سبحانه تعالى: {وسارعوا إلى مغفرة من ربّكم وجنَّةٍ عرضها السموات والأرض أعدّت للمتقين* الذين ينفقون في السرّاء والضرّاء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحبّ المحسنين* والذين إذا فعلوا فاحشةً أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصرّوا على ما فعلوا وهم يعلمون* أولئك جزاؤهم مغفرة من ربهم وجنَّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين}(آل عمران: 133-136)

في هذه الآيات، يدعو الله سبحانه وتعالى الناس كافةً إلى أن يسارعوا، من خلال أعمالهم وأقوالهم وعلاقاتهم ومعاملاتهم، إلى الحصول على مغفرة الله في ما أذنبوا وأخطأوا، حتى إذا استغفروا ربهم وأخلصوا له، غفر الله لهم، ووقفوا بين يديه غداً وهم في مغفرة ورضى من الله سبحانه وتعالى، وكان جزاؤهم الحصول على الجنّة.

وقد يتحدّث أيضاً عن أنّ الحصول على الجنة لا بدّ فيه من تحصيل عدة سلوكيات؛ وأوّلها تحصيل ملكة التقوى في النفس، والتقوى على قسمين؛ فهناك التقوى الشخصية، وهي أن يأتي الإنسان بعباداته التي فرضها الله عليه، وأن يترك المحرمات التي نهاه عنها.

وهناك التقوى الاجتماعية، وهي التي تتصل بعلاقات الإنسان بالنّاس، ففي المجتمع أناس يعيشون الحاجة، لأنهم لا يملكون شروط العيش الكريم، إمّا لأنهم لا يملكون فرصةً للعمل، أو لأنهم لا يستطيعون العمل، لمرض أو لغير ذلك، أو لأنهم من الأيتام الّذين لا عائل لهم، أو لأنهم من الأسرى الذين لا يملكون الظروف التي يستطيعون إدارة أمورهم فيها. فطريق التقوى في مثل هذه الحال، تتمثّل بالإنفاق على هؤلاء الناس مما رزقك الله من مال، سواء كان ذلك في سعةٍ من أمرك، أو كان في ضيق منه، {الذين ينفقون في السرَّاء والضرَّاء}، بأن تعطي من مالك الذي حصّلته بجهدك، ولو كان هذا المال قليلاً، كما يُقال: "القليل أفضل من الحرمان".

فالإنسان الذي ينفق من ماله يأخذ بأسباب التّقوى، باعتبار أنه ينفق حباً لله وخوفاً منه ووفاءً له، لأنّ الله يقول: {وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه}(الحديد: 7)، بمعنى أن المال الذي يعطيكم الله إياه، أنتم وكلاء على صرفه في الموارد التي أمركم الله أن تصرفوه فيه؛ ربما بعض الناس يقول لك هذا مالي وأنا حرّ في أن أصرفه في أي شيء، حلالاً كان أو حراماً! لا، أنت لست حراً في ذلك، لأنّ الله جعلك وكيلاً على هذا المال ومؤتمناً عليه، لذلك فهو ليس مالك، بل هو مال الله، {وآتوهم من مال الله الذي آتاكم}(النور: 33)، لأنّ المال مال الله، وأنت ومالك وحياتك كلكم لله، {وما بكم من نعمة فمن الله}(النّحل: 53) {وإن تعدّوا نعمة الله لا تحصوها}(إبراهيم: 34). الله يقول أنا أعطيتك مالاً، ومصرف المال هو هذا {وفي أموالهم حقّ للسائل والمحروم}"(الذاريات: 19).

وينتقل سماحته إلى الإنفاق كعنوان من عناوين الإسلام الكبرى:

"إنّ الله سبحانه رزقك المال، وجعل لك مسؤولية الإنفاق على الفقراء والمساكين، وأن تنفق على زوجتك وعيالك، وليس لك أن تمتنع عن الإنفاق على عيالك لتصرف مالك في شهواتك، كبعض الذين يحصلون على المال وينفقونه في القمار، أو ينفقونه في شهواتهم ولذّاتهم، ويحرمون أهلهم (زوجتهم وأولادهم) من ذلك. وهنا نلفت إلى نقطة مهمة، وهي أن نفقة الزوجة هي حقّ لها، ولا يحقّ للزوج أن يترك زوجته بلا مال، حتى لو كانت الزوجة موظَّفةً، فالإنفاق على الزوجة هو حقّ لها على الزوج."

ويشير إلى صفات المتقين الذين يتصفون بالبرّ والإنفاق وكظم الغيظ والعفو عند المقدرة والإحسان والندم والتراجع عن المعصية:

 "أمّا نتائج التقوى، فهي أنّ الله أعدَّ الجنّة بكلّ نعيمها للمتقين، الذين يتّقونه ويخافونه ويراقبونه ويحبّونه، والصّفة الأولى لهؤلاء المتّقين، كما ذكر سبحانه، أنّهم ينفقون في السرّاء والضرّاء.

الصفة الثانية لهم هي: {الكاظمين الغيظ}، وهو الإنسان الذي إذا واجه مشكلةً بينه وبين آخرين، سواء في المحيط العائلي أو في المحيط الاجتماعي أو الاقتصادي أو السياسي، يكظم غيظه في صدره، ولا يفجّره بشتمٍ أو سبٍّ أو ضربٍ أو ما إلى ذلك، وكظم الغيظ من الصفات التي ترتفع بإيمان الإنسان، حتى ورد أنّ: "من كظم غيظاً وهو يقدر على إمضائه، حشا الله قلبه أمناً وإيماناً يوم القيامة".

الإمام عليّ(ع) يقول: "متى أشفي غيظي إذا غضبت؛ أحين أعجز عن الانتقال، فيقال لي: لو صبرت، أم حين أقدر عليه فيقال لي: لو عفوت؟"، يعني في كلا الحالي، ينبغي للإنسان أن يكظم غيظه، فيعفو عند المقدرة، ويصبر عند العجز.

أيضاً، في حديثٍ للإمام زين العابدين(ع) عن كظم الغيظ يقول: "إن أحلى جرعة أتجرّعها هي أن أكظم غيظي"، بمعنى أنّي ما تجرّعت جرعةً أحبَّ إليَّ من كظم الغيظ، لأنّك عندما تحبس غيظك في نفسك، فإنّك بذلك تتمالك أعصابك، لتصبح قوّتك في موقفك، وليس في كلمتك وضربتك.

{والعافين عن الناس}، هذه هي الصفة الثالثة للمتّقين؛ إنّ الله سبحانه يقول: {وأن تعفو أقرب للتقوى}، أنت تقدر أن تأخذ حقَّك، والله جعل لك الحريّة في أن تأخذ حقك، لكن إذا دار الأمر بين أن تأخذ حقك أو أن تعفو، فالأقرب إلى التّقوى هو أن تعفو، باعتبار أنّ موقفك هذا يدلّ على سموّ أخلاقك.{

{والله يحبّ المحسنين}، إذ لا يكفي أن تكظم غيظك وتعفو عمّن ظلمك، بل أن تحسن إليه. وقد ورد في سيرة الإمام زين العابدين(ع)، أنّه كانت لديه جارية، وكانت تصبّ الماء على يديه، ويبدو أنّ الإبريق كان من نحاس، وقد تشاغلت الجارية بالنّظر، فوقع الإبريق على رأس الإمام وشجّه، فسال الدم، قالت: "يا مولاي، إنّ الله يقول: {والكاظمين الغيظ}، فقال لها: كظمت غيظي، قالت: {والعافين عن الناس}، قال: عفا الله عنك، قالت: {والله يحبّ المحسنين}، قال: اذهبي أنت حرةٌ لوجه الله".

ثم يكمل الله سبحانه حديثه عن صفات المتقين، فيقول تعالى: {والذين إذا فعلوا فاحشةً ـ والفاحشة هي العمل الذي يتجاوز به الحدّ الطبيعي، أو الحدّ المسموح به ـ أو ظلموا أنفسهم ـ بالمعصية، فهناك بعض الناس عندما تصدر عنه خطيئة، ويتجاوز الحدود الشرعيّة، يستمرّ في خطئه، وهناك من يتذكر فيقف ويقول: كيف عصيت الله، وكيف ظلمت نفسي بالمعصية، وتجاوزت الحدود الشرعيّة؟! فالمتّقون هم الذين إذا قاموا بشيء من ذلك ـ ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم ـ طالبين من الله المغفرة والرّضوان ـ ومن يغفر الذنوب إلا الله ولم يصرّوا على ما فعلوا ـ بأن يبقوا على خطيئتهم وظلامتهم لأنفسهم، بل إنّهم يتراجعون عمّا فعلوا ـ وهم يعلمون}.

{أولئك جزاؤهم مغفرةٌ من ربِّهمـ فالله يغفر لمن يستغفره ويتوب إليه، ولا يصرّ على خطيئته ـ وجنّات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ونعم أجر العاملين}".

وختم سماحته بالتأكيد على التمسّك بحرية الإرادة أمام كلّ النزوات والضغوطات، حتى نكون فعلاً الأحرار في دنيانا وآخرتنا:

"على الإنسان أن يخيِّر نفسه؛ بين أن يكون من المتقين، الكاظمين الغيظ، العافين عن الناس، المحسنين، المنفقين في السرّاء والضرّاء، المستغفرين الله، ليحصل بذلك على جنّةٍ عرضها السماوات والأرض، وبين النّار! كما وقف الحرّ بن يزيد الرياحي، عندما كان قائد جيش بني أمية، وقد توجّه لقتال الحسين(ع)، وعندما رأى أن الأمر قد وصل إلى حدّه، وكان الرجل في حالة إيمان، ولم يكن كبقية قادة الجيش وأفراده، وقف حتى يأخذ القرار، وهو قرار صعب، فأصابته رعدة، وصار يرتجف، فرآه أحد أصحابه على هذه الحالة، فقال له: أترتعد؟! والله لو قيل لي من أشجع أهل الكوفة ما عدوتك، فقال الحرّ: "إني أخيّر نفسي بين الجنّة والنار ـ النار بأن أقاتل الحسين، والجنّة بأن أنفصل عن بني أميّة وأتوب إلى الله وأذهب إلى الحسين ـ ثمّ حسم أمره قائلاً: فهل أبقى على هذه الزّعامة، أو أتحوَّل إلى جندي من جنود الحسين؟ ـ ووالله لا أختار على الجنة شيئاً ولو قطّعت وحرّقت. الجنة لا شيء يساويها؛ لا مال ولا قيادة ولا زعامة. وذهب الحرّ إلى الحسين(ع)، واستشهد بين يديه، وأبّنه الحسين(ع) وقال فيه: "أنت الحرّ كما سمّتك أمّك ـ الحرّ هو الذي يملك إرادته، أمّا الذي لا يملك إرادته، ويكون خاضعاً لشهواته ورغباته، فهو ليس حراً ـ حرّ في الدنيا وسعيدٌ في الآخرة".

لنكن، أيها الأحبة، الأحرار، كما قال أمير المؤمنين(ع): "لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً"، ولننطلق لنكون الأحرار أمام شهواتنا وأمام كلّ الناس، والعبيد أمام الله تعالى". 

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية