بالعودة إلى الذّاكرة، نستحضر بعض المواقف المهمّة التي كان يطلقها سماحة المرجع السيّد محمد حسين فضل الله(رض) في خطب الجمعة، ومنها ما ألقاه في الخطبة الدّينيّة لصلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين(ع) في حارة حريك، بتاريخ 26 رمضان العام 1424ه/ الموافق 21/11/2003، حيث تحدّث عن قيمة آخر جمعة من الشّهر الكريم ومعانيها، وما على المؤمن من مسؤوليّة تجاه نفسه وربّه:
"هذا اليوم هو آخر جمعة من شهر رمضان، والجمعة هي اليوم الذي أراد الله للمسلمين أن يجتمعوا فيه من خلال صلاة الجمعة ليبتهلوا إليه، وليذكروه، وليتوبوا إليه من كلّ ذنوبهم؛ إنه يوم الحضور أمام الله تعالى في كل العالم الإسلامي، حتى يجدّد المسلم بين يدي الله تعالى إيمانه وإسلامه، ويذكر الله في كلّ أموره: {فاسْعَوْا إلى ذكرِ الله}... أن يذكر الله فيما يلتزم به من فكر، ليكون فكره فكر الحقّ الذي يرضى به الله، وفيما يتحسّسه في نبضات قلبه من عاطفة، لتكون عاطفته في مرضاة الله، ولينفتح عندما ينطلق من صلاة الجمعة على أعماله: {فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله}، لينطلق من صلاة الجمعة إلى ساحة العمل، ليكون عمله، سواء كان في التجارة أو الاجتماع، صلاةً يذكر الله فيها كما ذكره في الصلاة.
ولعلّ قيمة هذه الجمعة، أنها آخر جمعة من شهر رمضان، حيث يتجمّع فيها كلّ روح هذا الشهر، فالإنسان في هذه الجمعة، لا بدّ من أن يجلس مع ربّه ويخلو مع نفسه، ليقوم بعملية حساب: كيف كان رمضانه في الأيّام التي مضت، وكيف يعمل للحصول على ما لم يحصل عليه في الأيام التي بقيت؟ وهذا ما جاء به الدعاء المرويّ عن أهل البيت(ع): "اللّهمّ وهذه أيام شهر رمضان قد انقضت، ولياليه قد تصرّمت، وقد صرت يا إلهي إلى ما أنت أعلم به مني، وأحصى لعدده من الخلق أجمعين، فأسألك بما سألك به ملائكتك المقرَّبون، وأنبياؤك المرسلون، وعبادك الصالحون، إن كنت رضيت عنّي في هذا الشّهر فازدد عني رضى ـ لأنّني يا ربٍّ أريد أن ترضى عني رضى لا رضى فوقه، ولا زيادة فيه لمستزيد، لأنَّ ذلك هو الذي يقرّبني إليك، وتلك هي السعادة كل السعادة. وقد عبّر الله تعالى عن رضاه بعد أن تحدّث عن الجنة التي يدخلها المتقون بأنّه: {ورضوان من الله أكبر} ـ وإن لم تكن رضيت عني، فمن الآن فارضَ عني".
وتابع مشيراً إلى ليلة القدر وما تحمله من معاني:
"وهناك خصوصية لهذه الجمعة، وهي أنّها من المحتمل أن تكون ـ ليلة السابع والعشرين من شهر رمضان ـ من ليالي القدر، لأن الروايات في ليلة القدر تنوّعت بين الحادي والعشرين والثالث والعشرين والسابع والعشرين، حتى جاء في بعض الروايات: "اطلبوها في كل الليالي المفردة من العشر الأواخر"، ولذا ينبغي للإنسان أن يستعدّ في هذه الليالي التي يُحتمل أنها ليلة القدر، ليتفرّغ إلى الله تعالى في بعض وقته، ولا يقتصر على ما تعارف النّاس عليه من الجانب الرسمي من ليلة القدر".
وأشار سماحته إلى مناسبة يوم القدس العالميّ، وما تشكّله من رمزية للحقّ، مؤكّداً ضرروة إبقاء القدس حيّةً في الوجدان الإسلاميّ، وتذكرها دوماً، والعمل في كلّ المجالات على إبراز مظلوميّتها في ظلّ السياسات الظالمة المساندة للاحتلال:
"وهذا اليوم، آخر جمعة من شهر رمضان، هو أيضاً اليوم الذي أُريد فيه أن يتذكّر المسلمون في جميع أنحاء العالم، القدس، ليكون يوم الجمعة الأخير من شهر رمضان يوماً للقدس. وقضيّة الانفتاح على هذا اليوم ليست مجرّد قضية احتفالية يحتفل الناس بها، ويذهبون إلى بيوتهم كأنهم وفّوا قسطهم للقدس، بل إنّ هذا اليوم التي جاءت المبادرة من الإمام الخميني(قده) باعتباره يوماً للقدس، يهدف إلى أن لا تغيب القدس عن الوجدان الإسلامي، من خلال ما تمثله من معنى رسالي روحي ينفتح على كلّ تاريخ الرسل وحركة الرسالات، كما أن هذا اليوم ينفتح على الجانب السياسي، من خلال هذا الظّلم الذي وقع على القدس، سواء كان فيما مضى من تاريخ الحروب الصليبيّة، أو فيما نعيشه الآن من الاحتلال الصهيوني.
إنّ المطلوب هو أن تبقى القدس في البال، وأن لا تغيب أمام الأوضاع السياسية التي تحيط بالمنطقة، أو القضايا الجزئية التي يُراد استغراق المسلمين فيها ـ وخصوصاً الفلسطينيّين ـ حتى ينسوا الجوهر. فنحن نجد مثلاً أنّ الناس تتحدث على مستوى السياسة العالمية عن الجدار الفاصل أو المستوطنات، أو عن بعض الجرائم الوحشية هنا وهناك، أو تتحدث عن مسألة إذلال الفلسطينيين وما إلى ذلك، لتنسى القدس، بل إننا نلاحظ أن السياسة الأمريكية المتحالفة مع السياسة الإسرائيلية، تعمل على أساس إبعاد قضية القدس عن أية مفاوضات، لتكون مسألة القدس وحق الفلسطينيين فيها مؤجلة إلى نهاية المفاوضات، وذلك بعد أن تستكمل إسرائيل عملية الاستيطان اليهودي في المدينة المقدسة، بحيث لا يبقى هناك شيء يُتفاوض عليه.
فلا بدّ لنا من أن نتذكر القدس في هذا اليوم، بحيث تتحرك مواقع الدراسات الدينيّة الإسلامية والسياسية، لتدرس العمق الذي تمثّله القدس كواجهة لكلّ الواقع الإسلامي الرسالي والسياسي والحركي والأمني".
ويلفت سماحته إلى محطة تاريخية إسلامية محورية على صعيد الرسالة، وهي الإسراء والمعراج، وضرورة الاستفادة به من هذه المناسبة، لتأكيد ترابطنا والتزامنا بالإسلام الأصيل:
"أما في الجانب الرسالي، فإن الآية الكريمة في سورة الإسراء: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ}. أرادت هذه الآية الإيحاء بأن الله تعالى أراد لرسوله محمد(ص) أن يذهب إلى المسجد الأقصى بطريقة إعجازية اختصرت المسافات في لحظات، من أجل أن يتحرك في رسالته إلى العالم، لأنه جاء رسولاً للناس كافة، ولأنه جاء رحمةً للعالمين، من أجل أن يعيش في المسجد الأقصى كلّ تاريخ الرسالات، لأن الرسالة الإسلامية الخاتمة هي الرّسالة التي تجمع كل الرسالات، وتركّز على العناصر الأصيلة فيها، ولهذا جاء القرآن الكريم ليؤكّد الإيمان بكلّ الرسل: {لا نفرِّق بين أحدٍ من رسله}، وليؤكد الإيمان بكل الكتب التي أنزلها الله من التوراة والإنجيل وصحف إبراهيم، لأن الإسلام يتميز عن كلّ الأديان، بأنّه جاء مصدِّقاً للذي بين يديه، ليكون المتمِّم والمكمِّل، وليجمع الله الرسالات بهذا الدين الذي ميّز به محمّداً(ص).
لذلك، فإنّ هذه الرحلة من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، تؤكّد أنّ هناك ترابطاً بين ما يوحي به في هذا المسجد أو ذاك، وخصوصاً المسجد الحرام الّذي بناه إبراهيم(ع)، والأنبياء في المسجد الأقصى هم من ذريته، ولذلك فإنّ إبراهيم(ع) هو شيخ الأنبياء، وهو الذي يربط بين المسجدين من خلال رسالة الله تعالى.
إنّ الإيحاء في هذا، هو أن النبيّ(ص) كما أسرى به الله من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، فإنّه يجب علينا أن نعمل كمسلمين لننفتح على كلّ المساجد، لنؤكد الترابط بين المسلمين في التزامهم بالإسلام الأصيل والحقّ، وليتحركوا من خلال ذلك على الحوار فيما اختلفوا فيه من فرعياته، وهذا هو قول الله: {فإن تنازعتم في شيء فردّوه إلى الله والرّسول}، أي أن لا تكون هناك مقاطعة بين المساجد، مهما اختلفنا في مذهبيّاتنا وآرائنا، بل علينا أن نرتكز على الإسلام ونتّخذه القاعدة: {واعتصموا بحبلِ اللهِ جميعاً ولا تفرّقوا}".
ودعا سماحته إلى فتح باب الحوار بين أتباع كل الرسالات والأديان، وإلى ممارسة السياسة كرسالة هادفة لتعزيز الحرية والكرامة، لافتاً إلى جملة من القضايا السياسية القائمة في واقعنا:
"وإذا كان المسجد الأقصى والقدس هما ملتقى الرسالات السماوية، فإن علينا أن نعمل لفتح باب الحوار مع كلّ أتباع الأديان الأخرى، لأن القرآن الكريم فتح باب الحوار مع كلّ الناس، وقال للمسلمين أن يقولوا لأهل الكتاب: {قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ}، وقال تعالى: { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنزِلَ إِلَيْنَا وَأُنزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}.
لذلك، لا بدّ لنا من أن ننفتح بالرسالة الإسلامية على كل الذين يلتزمون الرسالات الأخرى، وإن اختلفنا معهم في بعض جوانب العقيدة أو المفاهيم أو بعض مسائل التاريخ، لأن الله أراد لنا أن نأخذ بأسباب الحوار، ليكون سبيلنا للتفاهم واللقاء على ما نتّفق عليه، ولمواصلة البحث فيما نختلف فيه.
أما في المسألة السياسية التي لا تبتعد عن المسألة الرساليّة، لأنّ السياسة في الإسلام هي رسالة من أجل أن يكون الإنسان عبد الله ليكون حراً أمام الناس كلهم، فالحرية في الإٍسلام هي هبة الله إليه: "لا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حراً"، فالمسألة السياسية في كل مفرداتها وخطوطها، هي مسألة رسالية تنطلق من قاعدة الحرية للإنسان، وقاعدة العزة والكرامة للإنسان المؤمن: {ولله العزّةُ ولرسولِه وللمؤمنين}.
لذلك، عندما ننفتح على القضية السياسية، فلنفكّر في كل مراكز الدراسات، بأن القدس التي كانت بأيدينا، لماذا استولى عليها الآخرون؟ ما هي الظروف والأسباب التي أدّت إلى هذا الضعف السياسي والأمني للأمّة؟ ما هي الأسباب التي ساهمت في ذلك؟ ما هي الظروف التي ساهمت في حرب الـ67 التي فقد المسلمون فيها القدس، ولا سيّما القدس القديمة؟ من الذي دفع بحرب الـ67، وكيف كانت حال العرب الذين خاضوا هذه الحرب؛ هل استعدوا لها سياسياً وفي عالم التخطيط وعسكرياً؟ وماذا عن الأوضاع الدولية التي تؤثر تأثيراً كبيراً في عملية الحرب والسِّلم؟ ثم ما هي الخطط التي كانت تحاك من قِبَل أمريكا وأوروبا وحتى الاتحاد السوفياتي، لكي يقع العرب في شرّ هزيمة؟ هل هو مجرد ضعف وتمزّق عربيّ، أم أنه يمثل حال الانبطاح لدى أكثر من شخصية عربية للسياسة الأمريكية، أو من خلال حال الحماس والانفعال التي انطلقت بها الحرب، والحرب قد تكون حماساً من أجل التعبئة، ولكنها خطة من خلال الحركة، ولعلّ الجوّ الذي عاشت به هذه الحرب، كان جو انفعال أكثر مما هو جو عقل؟!
لا بدّ من أن ندرس ذلك كله، وأن ندرس كل حركة الواقع، سواء كان الواقع العربي الذي يتمثل في الجامعة العربية، أو الواقع الإسلامي الذي يتمثل في منظمة المؤتمر الإسلامي، أو في كل التطورات في العالم التي أدخلت القضية الفلسطينية في مسألة الحرب ضد الإرهاب، ولم تعد مجرد قضية تحرير شعب. لا بدّ للأمّة من أن تدرس هزائمها بوعي ودقّة على أساس التخطيط كما تدرس انتصاراتها، لأننا نعيش في عالم لا يملك المبادئ في كل سياسته وأمنه وكل علاقاته.
لذلك، علينا أن نخرج من أجواء اللامبالاة، أن لا يقبع كلّ واحد منا في زاويته، حيث بدأنا نسمع البعض يقول: ما لنا وللفلسطينيّين وللقدس! إن القوم من أعدائنا من المستكبرين يعتبرون أن مسألة العرب واحدة، فإذا ما هزموا موقعاً، فإنهم يفرضون الهزيمة على بقية المواقع، كما أنه إذا انتصر موقع، فإنهم يعملون على تحويل هذا الانتصار إلى هزيمة، كما في حرب العاشر من رمضان، التي اجتاز فيها الجيش المصري قناة السويس وانتصر على الإسرائيليّين، ولكنَّ اللعبة حوّلت هذا الانتصار إلى هزيمة".
وختم سماحته بالتأكيد على وحدة الأمّة وعزتها وكرامتها، والتوحّد حول القضايا الكبرى لها، وتجميد كلّ خلافاتنا خدمةً لقضايانا، والتحلي بالوعي والإحساس بالمسؤوليّة:
"إن الله تعالى يريدنا أن نكون أمّة واحدة، لأنه لا يمكن لأيّ إنسان أن يشعر بالحرية ما لم تكن أمّته حرة، ولا يمكن أن يشعر بالعزة والكرامة ما لم تكن أمّته حرة عزيزة. إن أول شرط ليوم القدس هو أن نتوحّد بالقدس، باعتبار أن القدس لا تمثل مجرد مسجد ومدينة، ولكنها تمثل كل قضية تتصل بالإسلام ثقافياً وسياسياً وأمنياً. إن القوم في كلّ تنوعاتهم القومية والسياسية، وحتى المذهبية، كما هو الحال لدى اليهود الذين يذهبون مذاهب شتّى، يتوحدون أمام القضايا التي يعتبرونها هدفاً لهم، فلماذا لا نتوحّد أمام قضايانا؟ القضية هي أن نجمّد كلّ خلافاتنا لنتوحد على القضية الكبرى، وأن نعمل لنطرد من داخلنا كلّ من يريد إغراق الأمّة بالهوامش من النزاعات، لأن هؤلاء يمثلون الطابور الخامس للصهيونيّة والاستكبار العالمي، إنّ القضيّة هي: {واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا}، {ولله العزّة ولرسوله وللمؤمنين}.
نسأل الله تعالى أن يمنحنا الكثير من الوعي، والكثير من العقل، والكثير من الإحساس بالمسؤوليّة، والكثير من السّعي من أجل الوحدة للإسلام كلّه وللإنسان كلّه.