الرِّفقُ واللِّين في نهج الرسول(ص)

الرِّفقُ واللِّين في نهج الرسول(ص)

الرِّفقُ واللِّين في نهج الرسول(ص)


ألقى سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين (ع) في حارة حريك، بحضور حشد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية وجمع غفير من المؤمنين، ومما جاء في خطبته الأولى:

أسلوب الرفق والرحمة

يقول الله سبحانه وتعالى مخاطباً رسوله الكريم، مشيراً إلى طريقة تعامله مع أصحابه، ومع الناس: {فبما رحمةٍ من الله لِنْت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك}، ليؤكد له أنّ سرّ نجاحه الرسالي واستماع الناس إليه والتفافهم حوله، لأنه كان الرسول الذي امتلأ قلبه بالرقة تجاه الناس، وتحرك لسانه بالكلام اللّين الذي ينفذ إلى قلوبهم ليتحرك نحو عقولهم، حيث كان ينظر إليهم نظرةً إنسانية تتجاوز كل المراتب، وقد جعله الباري في أعلى مرتبة في البشرية، فكان الرفيق والليّن الذي يعفو عن كثير من الناس إذا أخطأوا معه. فالإنسان الرسالي القائد، عليه أن يقدِّر ظروف أتباعه وظروف الناس الذين يعيشون معه، فيعفو عن أخطائهم إذا أخطأوا معه، ويعالجها بحكمة ورفق، ويعطيهم الثقة بأنفسهم.

لأن من سمات القائد أن ينمِّي فكر أتباعه، حتى يتحركوا معه من خلال ثقافتهم في الأمور التي ينطلق بها القائد {وشاورهم في الأمر ـ شاورهم في الحرب أو السلم أو في القضايا التي تتحرك في تنظيم المجتمع، وادفعهم إلى أن يفكروا، ولا تجعلهم مجرد أناس يتبعون القيادة دون أن يفهموا القضايا التي تقودهم إليها. اصنع من كل واحد منهم مشروع قائد، واجعلهم يتعوّدون على التفكير وعلى التخطيط، فإذا ما دخلوا مع القيادة في أي مشروع، فإنهم يعيشون وعي المشروع كما تعيشه القيادة، خلافاً للكثير من القياديين الذين ينظرون إلى أتباعهم كما ينظر الشخص إلى فئة من الجهَّال الذين لا يملكون إلا أن يهتفوا أو يصفقوا...

ونحن نعلم أن النبي(ص) زوّده الله بالمعرفة القدسية التي لا يحتاج معها إلى أية مشورة، ولكن الله يريد من خلال رسوله أن يقدم لنا الأنموذج في تربية القاعدة على أن تفكر، وكيف تنقد القائد، لأن القيادات المستقبلية ليست كلها رسول الله، لذلك على القيادة أن تتشاور مع القاعدة، وأن تعرض عليها خططها؛ إلا الخطط السرية التي لا يمكن أن تعرضها بشكل عام، ولكن هذه لا بد من عرضها على أولي الخبرة وأولي الأمر ـ فإذا عزمتَ فتوكّل على الله إن الله يحب المتوكلين}، فنحن نقرأ أن النبي(ص) كان الرسول الذي يرفق بأصحابه وبالناس من حوله، وقد صوّره الله سبحانه وتعالى بصورة أكثر وضوحاً، عندما خاطب المسلمين ليعرّفهم شخصيته(ص): {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}.

الرسول(ص) الأسوة والقدوة

هذه كانت صفة الرسول الذي يرأف ويرحم ويحمل هموم أمته، ويلين في كلامه وفي قلبه، كان شأنه الرفق وحلّ الأمور بالرفق، وعلى كل القادة في كل المواقع، سواء كان الموقع فقهياً أو سياسياً أو اجتماعياً أو أمنياً، عليهم أن يقتدوا برسول الله، لأن الله يقول: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً}. وهذا ما ينبغي للإنسان المؤمن أن يأخذ به، وأن يعالج الأمور بالطريقة السلمية التي ترفق بالإنسان الآخر حتى وهو في معرض الردّ عليه. فإذا ما حصلت مشكلة مثلاً، ودار الأمر في حلّها بين الرفق والعنف، فإن تمّت معالجتها بالرفق، فإن الله يثيب الإنسان أكثر مما لو عالجها بطريق العنف. وهذا ما نجد مصداقه في قوله تعالى: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليٌ حميم}.

الإسلام دين الرفق

ومن هذا المنطلق، كنا نقول لكثير من الإعلاميين، وخصوصاً الغربيين منهم، إن الإسلام يعلّمنا أن نكون أصدقاء العالم، وأن نتبع الأساليب التي تجعلنا نربحهم كأصدقاء، ويعلّمنا أن لا نقاتل إلا من قاتَلَنا من باب الدفاع عن النفس.

وهكذا، نلاحظ في القرآن الكريم قوله تعالى: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن}، وفي حديث للنبي(ص) يقول فيه: "لو كان الرفق خلقاً يُرى ما كان مما خلق الله شيء أحسن منه"، وورد أيضاً في الحديث: "إذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم باب رفق".

هذا هو الخط الإسلامي: الرفق لا العنف. ومن خلال ذلك، لا بد أن ندرس هذه المسألة دراسة واقعية عملية، لأن الرفق هو الذي يسمح بأن يكون مجتمعنا مجتمع عدل وسلام ومحبة، لأن أغلب المشاكل التي تحدث في مجتمعنا هي نتيجة تعامل أفراده بعضهم مع بعض بأسلوب العنف، بحيث يعنف القوي على الضعيف، وكذلك يعنف الضعيف الذي يمتلك مقداراً من القوة على من هو أضعف منه...

رفض العنف ضد المرأة

قبل أيام، كان "يوم المرأة العالمي"، وشعار هذا اليوم الذي تُقام فيه الحفلات والندوات: "العنف ضد المرأة"، المرأة الزوجة، البنت، الأخت، وليس بعيداً عن ذلك المرأة الموظفة (العاملة).

هناك نوعٌ من التمييز العنصري يمارسه الرجل ضد المرأة بشكل عام، حتى في الدول التي تسمى "متحضرة"، حيث يتمثَّل العنف هناك في جوانب عدة، سواء تمثل ذلك في ضرب المرأة أو تعذيبها أو قتلها أو في عمليات الاغتصاب وبشكل فوق العادة، وقد بدأنا نلمس هذه الظواهر في مجتمعاتنا من خلال البرامج التلفزيونية الإباحية أو غيرها من الوسائل، وقد كشفت بعض الدراسات الصادرة عن الأمم المتحدة، أن أكثر من يُصاب بالأمراض المعدية كالإيدز (فقد المناعة) النساء، وذلك من خلال ما يمارسه الرجل من عنف ضدها وبأشكال متعددة. إن هذا النوع من العنف مرفوض إسلامياً مائة بالمائة.

ففي الحياة الزوجية على سبيل المثال، يقول سبحانه وتعالى: {وعاشروهنّ بالمعروف فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً}، كذلك يخيّر الله الإنسان الزوج في الحياة الزوجية {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}.

وهناك من الرجال من يحاول أن يهجر المرأة دون أن يطلّقها، وبعضهم من تبذل له المرأة كلّ المهر وربما ما يفوقه ولا يطلقها، والله تعالى يقول: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن}، وهو سبحانه يُبيّن لنا أنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ مهر زوجته بالإكراه: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً}.

وهناك نوع آخر من أنواع العنف، يتمثل بطرد الزوجة من بيتها، فهذا حرام، لأنه يجب على الرجل أن يسكن زوجته في البيت ما دامت هي في دائرة الزوجية، كما إن الزوجة في المقابل لا يحق لها أن تذهب إلى بيت ذويها، إذا لم يكن هناك خوف على حياتها أو ضغط فوق العادة.

وهناك مسألة ضرب الزوجة، فالإسلام لا يفرِّق في الحرمة بين ضرب الزوجة وبين ضرب من هي من غير المحارم. هذا العنف محرَّم شرعاً. وكذلك يأتي عنف الكلمة عندما يسبُّ الزوج زوجته أو يشتمها، وهو أيضاً محرّم، لأنه لا فرق بينها وبين أيِّ امرأة في المجتمع، فالعقد الزوجي هو كأي عقد آخر، يجب على الزوجين الالتزام به، والعقد إنما يحلّل للزوجين ما كان محرماً عليهما، في العلاقة الخاصة، وكل ما يتصل بها، وهو يلقي على الرجل مسؤولية الإنفاق وما إلى ذلك {ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف وللرجال عليهنّ درجة}.

العقد الزوجي لا يجعل المرأة أو الرجل أحدهما مستعبداً للآخر، وينحصر الأمر في الحقوق التي قضاها العقد لكليهما، حيث أراد الله سبحانه وتعالى للزوجين أن تكون الحياة الزوجية بينهما على أساس المودة والرحمة، {وجعل بينكم مودة ورحمة}، فهما زوجان في الجسد ولكنهما أخوان في الدين.

وكذلك بالنسبة للبنت، فليس للأب ولا للأخ سلطة على البنت، بأن يضربها أو يشتمها، صحيح أنها ابنته، إلا أنها أخته في الإيمان، وإن كان له عليها حق الولاية، إلا أن ذلك لا يعطيه الحق بأن يضربها، إلا في حال التأديب، وإذا ضربها واحمرّ مكان الضرب فعليه أن يدفع الدية.

لا للعنف الاجتماعي باسم الدين

ولذلك، قلنا في عاشوراء، وأصدرنا فتوى تحرّم على الذين ينذرون أولادهم للتطبير هذا الفعل، لأن الله سوف يعاقبهم على ذلك، لأنه ليس للأب ولاية بأن يجرح ابنه، وإن كان يريد بذلك أن يعلّم ابنه حب الحسين، فالحسين(ع) لا يقبل القيام بمثل هذه التصرفات، لأنها تمثّل التخلف، بل يريد منّا السير على خطه ومنهجه. وكما بينّا سابقاً فإن التلفزيونات العالمية تبرز صورة سيئة عن المسلمين تصوِّر رجلاً وبين يديه ولده الذي ضرب على رأسه والدماء تسيل على وجهه، والولد يبكي بكاءً يقطّع نياف القلب، وقد كتبت إحدى الصحف الكندية: "هذا يُعمل باسم الله"، أي إن تعذيب الأطفال بهذه الطريقة الوحشية يرتكب باسم الله، وفي هذا تشويه لصورة الإسلام والمسلمين، والمؤسف أن هذه الحالة تزداد جراء العصبيات.

ومن العنف أيضاً أن يمنع الرجل أخته أو ابنته من التزوّج بالكفؤ وما إلى ذلك، وقد يدفعها جراء هذه الممارسات إلى القيام بـ"الخطيفة"، وساعتئذٍ:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى         حتـى يُراق على جوانبـه الدم

تحت عنوان أنه يريد أن يغسل العار، وهو من دفعها إلى القيام بمثل ذلك.

وهناك أنواع أخرى من العنف الاجتماعي، حيث يفرض القوي، سواء كان حزباً أو شخصاً أو جماعة أو حركة، قوّته على الناس دون وجه حق، لأنه يريد أن يخضعهم لسلطته، وأن يمنع الناس من ممارسة حريتهم في ما يعتقدون وفي ما يؤمنون به... وهناك نوع من أنواع العنف يمارس باسم الإسلام وباسم الدين.

ولذلك، علينا أن نتثقف بثقافة رسول الله(ص) التي هي ثقافة القرآن، وأن نحاول أن نأخذ بأسباب الرفق وأسباب اللين في حياتنا العائلية، الاجتماعية، السياسية. هذا هو مظهر الحضارة؛ أن نعترف بالآخر ونحترمه، وليس كما هو سائد أن كل من ليس معك فهو كافر، أو زنديق، هذا ضال وذاك مضل وما إلى ذلك. وللأسف، لقد أصبحت ظاهرة متفشية بين مختلف الشرائح وعلى مختلف المستويات، والفتاوى بالقتل مستعرة من كل حدب وصوب، والنبي(ص) يقول: "ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يلعن بعضكم بعضاً ويضرب بعضكم رقاب بعض".

أيها الأحبة، هذا هو الإسلام، فلا يقتصر الإنسان في إسلامه على الصلاة والصيام والحج، بل يجب أن يكون ذلك مقروناً بمعاملة جيدة مع الناس، وهكذا كان رسول الله(ص)، وهذه قيمة صلاة الجمعة وكل الصلوات والمواعظ، أنها تعلم الناس كيف يواجهون قضاياهم الاجتماعية والسياسية والروحية، حتى تكون صلاتنا مدارس، وليست مجرد ركوع وسجود: {وإذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضّوا إليها وتركوك قائماً قُل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين}.

الخطبة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

عباد الله، اتقوا الله، في مواجهة كل القضايا التي تحيط بالواقع الإسلامي كله، وفي مواجهة كل العنف الذي يضغط على المسلمين من قِبَل المستكبرين وحلفائهم وأعوانهم. لنكن أمة واحدة كما أرادها الله سبحانه وتعالى في قوله: {إن الله يحبّ الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص}. فالمرحلة هي أن الاستكبار كلّه والكفر كله برز إلى الإسلام كله وإلى الاستضعاف كله من أجل أن يدمّر قوّتنا ويهيمن على كل مقدراتنا في كل نواحي الحياة، ولذلك لا بد لنا من الوعي لكل خطوات المستكبرين، أن يكون لدينا وعي إسلامي نعرف فيه مسؤوليتنا أمام الله، وأن يكون لنا وعي سياسي نعرف فيه كيف نحدد مواقعنا وكيف نحفظها. تعالوا لنعرف ماذا هناك:

إسرائيل في مأزق الانتفاضة

فلسطين في خضمّ المتاهات السياسية والمشاريع التي تخلط الأوراق في اللعبة الدولية الأمريكية التي تتحرك مع إسرائيل في جدالٍ يربك الواقع الفلسطيني في الداخل والساحة العربية في المنطقة، وتغيب خارطة الطريق عن دائرة الضوء، ويحلّ مكانها المشروع الصهيوني في الانسحاب من غزة ومن مستوطناتها، فهل يتجاوز الفلسطينيون تحديات الفتنة التي يخطِّط لها أكثر من جانب كما تجاوزوها في المراحل السابقة.. ولا سيما مع انطلاق الحديث عن الأمن في غزة؛ هل هو أمن فلسطيني، وكيف يلتقي الفلسطينيون _ سلطةً وانتفاضةً وأحزاباً _ على حدوده ومضمونه؟ وما هو الموقف من سلاح الانتفاضة ومن أمن المقاومة؟ وهل الأمن في غزة، كما تطلب إسرائيل، هو أمن مصري تحذر منه مصر لأنه يمثل أرضاً مزروعة بالأفخاخ والألغام..؟ ثم هل الانسحاب يتحرك في نطاق الدعاية الانتخابية للرئيس بوش على قاعدة التحالف مع السياسة الصهيونية والجماعات اليهودية والمحافظين الجدد في أمريكا؟ ليكون _ إلى جانب ذلك _ عنوان سلام إسرائيلي قد يمهّد لأكثر من تقارب إسرائيلي _ عربي في الحديث الدائر الآن عن بعض الدول العربية التي تريد الدخول إلى الجنة الأمريكية من الباب الإسرائيلي كما هي السياسة الأمريكية؟!

هذا كله في الوقت الذي تتوالى المجازر الصهيونية التي يبشر بها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي في الإبادة المنظمة للشعب الفلسطيني، في دائرة الحرب ضد الإرهاب التي تقودها أمريكا ضد الشعب الذي يطالب بحريته من خلال انسحاب قوات الاحتلال من أرضه وتأسيس دولته المستقلة على بعض أرضه، لأن الإدارة الأمريكية ترى في أي صوت أو مقاومة للكيان الصهيوني إرهاباً، حتى لو كان ردَّ فعل للاحتلال، كما تعتبر المحتل ضحية ومدافعاً عن النفس في كل وحشية المجازر التي ترتكب بواسطة السلاح الأمريكي المتطور، والعمل على استكمال تقطيع أوصال الأرض الفلسطينية، لتكون المفاوضات المقبلة _ لو حدثت _ مجرد مناسبة للتوقيع على التنازلات المطلوبة من السلطة الفلسطينية باسم المحافظة على السلام.

إننا نحذّر هذا الشعب الصامد المجاهد الذي صنع للأمة مجد الحرية من جديد، وأعطى لها في كلِّ هذا الظلام السياسي المتحرك في زوايا العجز والخضوع، إشراقةً من الروح التي سوف تفتح آفاقاً عربية وإسلامية جديدة، ونقول له ما قاله الله للصحابة المجاهدين: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين* إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس}. وعلى هذا الشعب الصابر أن يعرف أن الخطة الموضوعة تتمثل في إخراج إسرائيل من المأزق الصعب الذي وضعتها فيه الانتفاضة، وإبقاء الفلسطينيين في داخل مأزقهم الاحتلالي، ولا بد من أن يضع الخطة الحكيمة الواقعية لمواجهة ذلك كله.

العراق: لا سيادة مع الاحتلال

أما العراق، فلا تزال اللعبة الدولية تضغط على سياسته واقتصاده وأمنه، من خلال سيطرة الاحتلال على مقدّراته، لتنفيذ سياسته في تقرير مصير العراق على صورة مصالحه، حتى في الدستور المؤقت الذي أريد له أن يحكم المستقبل القريب، بكل مواده التي تحتمل كل مادة منها أكثر من علامة استفهام يمكن أن ينفذ منها الذين يصطادون في الماء العكر، وتفسح المجال لبعض الأطراف في البلد في تضخيم حجمها على حساب أطراف أخرى، وتخلق أكثر من مشكلة إسلامية وقومية، وتجعل الذين يملكون التوقيع على الدستور يتّجهون للتوقيع عليه مع الكثير من التحفظات، لأنّ هناك فريقاً قد يوجه الاتهام إليهم بتعطيل مشروع نقل السيادة إلى العراقيين كما يقولون... ثم إن هناك أكثر من ملاحظة، في أن هذه التحفظات قد تعطل حركة الدستور الدائم الذي يضعه الشعب، لأنه يؤكد في مسيرته في الواقع بعض العناوين التي قد لا يملك أحدٌ تغييرها في المستقبل.

إننا نقول للشعب العراقي كله، إنه لا شرعية لأيّة خطوة سياسة أو دستورية في رعاية الاحتلال ورقابته وضغطه، لأننا نريد للعراق الجديد أن يكون حراً مستقلاً سيّداً في تقرير مصيره على جميع المستويات، وأن يراقب اللعبة الدولية والإقليمية في حركته الداخلية، وأن يرصد كل الذين يخططون للفتنة ويصنعون المأساة ويفجّرون الواقع ويثيرون الحساسيات. وكذلك يجب على العراقيين أن يخطّطوا للمستقبل بالتفكير العميق الواعي في خطوات الحاضر، وأن يؤكدوا بالقرار الواحد على زوال الاحتلال الذي جعل لنفسه الوصاية على العراق لأكثر من سنة من دون تحديد موعد نهائي، وأن يعرفوا أنه لا سيادة مع الاحتلال مما ظاهره الرحمة وباطنه من قبله العذاب.

لبنان: الحفاظ على الحريات

أما في لبنان، فإن على الدولة أن تحافظ على حرية الإنسان، ولا سيّما الطلاب، الذين يفكرون بالمستقبل في التعبير عن رأيهم وموقفهم، وأن تواجه الأمور بالحوار لا بالقمع، مهما كانت سلبيات الكلمات، لأن المسألة في هذا البلد هي مواجهة الواقع بالبعد السياسي الذي يوحد البلد بالوفاق على أساس وحدة المواطنية، في اعتبار الحقوق والواجبات للجميع لا لطائفة دون طائفة، أما البعد الأمني فهو لحماية المواطنين، لا لمصادرة حرياتهم الدستورية، ولا سيما أمام الهزات المتواصلة التي يحركها أكثر من مشروع أمريكي للمنطقة كلها من أجل استكمال النفوذ في المنطقة كلها.

ولا بد من رعاية الأمن الاجتماعي عبر توفير فرص العمل للشباب والمتخرجين، مما يمنع الهجرة وإفراغ البلد من الطاقات، ولا بد من الاستماع إلى المطالبين به ومواجهة الأزمات العميقة التي صنعتها سياسة السلطة وبقيت عاجزة عن الخروج منها ومصرة على البقاء في المراكز والمواقع.. إن الذي يحفظ الأمن كله، السياسي والاجتماعي، هو الانفتاح لا الانغلاق، والحرية لا القمع، والمشاركة لا الاستئثار بالسلطة لفريق واحد، حتى لا تبقى صورة البلد أنه بلد يجوع شعبه ويزداد حكامه ثراءً ويغيب وزنه أو دوره، ويتحول الفساد بجميع أنواعه إلى ثقافة تتقدم كل الثقافات.. إن لبنان بلد الحرية، فلا يجوز أن يتحول إلى بلد تقمع فيه الحرية ويتجمع فيه الجوع والفساد والهدر.

الرِّفقُ واللِّين في نهج الرسول(ص)


ألقى سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله خطبتي صلاة الجمعة، من على منبر مسجد الإمامين الحسنين (ع) في حارة حريك، بحضور حشد من الشخصيات العلمائية والسياسية والاجتماعية وجمع غفير من المؤمنين، ومما جاء في خطبته الأولى:

أسلوب الرفق والرحمة

يقول الله سبحانه وتعالى مخاطباً رسوله الكريم، مشيراً إلى طريقة تعامله مع أصحابه، ومع الناس: {فبما رحمةٍ من الله لِنْت لهم ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضّوا من حولك}، ليؤكد له أنّ سرّ نجاحه الرسالي واستماع الناس إليه والتفافهم حوله، لأنه كان الرسول الذي امتلأ قلبه بالرقة تجاه الناس، وتحرك لسانه بالكلام اللّين الذي ينفذ إلى قلوبهم ليتحرك نحو عقولهم، حيث كان ينظر إليهم نظرةً إنسانية تتجاوز كل المراتب، وقد جعله الباري في أعلى مرتبة في البشرية، فكان الرفيق والليّن الذي يعفو عن كثير من الناس إذا أخطأوا معه. فالإنسان الرسالي القائد، عليه أن يقدِّر ظروف أتباعه وظروف الناس الذين يعيشون معه، فيعفو عن أخطائهم إذا أخطأوا معه، ويعالجها بحكمة ورفق، ويعطيهم الثقة بأنفسهم.

لأن من سمات القائد أن ينمِّي فكر أتباعه، حتى يتحركوا معه من خلال ثقافتهم في الأمور التي ينطلق بها القائد {وشاورهم في الأمر ـ شاورهم في الحرب أو السلم أو في القضايا التي تتحرك في تنظيم المجتمع، وادفعهم إلى أن يفكروا، ولا تجعلهم مجرد أناس يتبعون القيادة دون أن يفهموا القضايا التي تقودهم إليها. اصنع من كل واحد منهم مشروع قائد، واجعلهم يتعوّدون على التفكير وعلى التخطيط، فإذا ما دخلوا مع القيادة في أي مشروع، فإنهم يعيشون وعي المشروع كما تعيشه القيادة، خلافاً للكثير من القياديين الذين ينظرون إلى أتباعهم كما ينظر الشخص إلى فئة من الجهَّال الذين لا يملكون إلا أن يهتفوا أو يصفقوا...

ونحن نعلم أن النبي(ص) زوّده الله بالمعرفة القدسية التي لا يحتاج معها إلى أية مشورة، ولكن الله يريد من خلال رسوله أن يقدم لنا الأنموذج في تربية القاعدة على أن تفكر، وكيف تنقد القائد، لأن القيادات المستقبلية ليست كلها رسول الله، لذلك على القيادة أن تتشاور مع القاعدة، وأن تعرض عليها خططها؛ إلا الخطط السرية التي لا يمكن أن تعرضها بشكل عام، ولكن هذه لا بد من عرضها على أولي الخبرة وأولي الأمر ـ فإذا عزمتَ فتوكّل على الله إن الله يحب المتوكلين}، فنحن نقرأ أن النبي(ص) كان الرسول الذي يرفق بأصحابه وبالناس من حوله، وقد صوّره الله سبحانه وتعالى بصورة أكثر وضوحاً، عندما خاطب المسلمين ليعرّفهم شخصيته(ص): {لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم}.

الرسول(ص) الأسوة والقدوة

هذه كانت صفة الرسول الذي يرأف ويرحم ويحمل هموم أمته، ويلين في كلامه وفي قلبه، كان شأنه الرفق وحلّ الأمور بالرفق، وعلى كل القادة في كل المواقع، سواء كان الموقع فقهياً أو سياسياً أو اجتماعياً أو أمنياً، عليهم أن يقتدوا برسول الله، لأن الله يقول: {لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيراً}. وهذا ما ينبغي للإنسان المؤمن أن يأخذ به، وأن يعالج الأمور بالطريقة السلمية التي ترفق بالإنسان الآخر حتى وهو في معرض الردّ عليه. فإذا ما حصلت مشكلة مثلاً، ودار الأمر في حلّها بين الرفق والعنف، فإن تمّت معالجتها بالرفق، فإن الله يثيب الإنسان أكثر مما لو عالجها بطريق العنف. وهذا ما نجد مصداقه في قوله تعالى: {ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليٌ حميم}.

الإسلام دين الرفق

ومن هذا المنطلق، كنا نقول لكثير من الإعلاميين، وخصوصاً الغربيين منهم، إن الإسلام يعلّمنا أن نكون أصدقاء العالم، وأن نتبع الأساليب التي تجعلنا نربحهم كأصدقاء، ويعلّمنا أن لا نقاتل إلا من قاتَلَنا من باب الدفاع عن النفس.

وهكذا، نلاحظ في القرآن الكريم قوله تعالى: {وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن}، وفي حديث للنبي(ص) يقول فيه: "لو كان الرفق خلقاً يُرى ما كان مما خلق الله شيء أحسن منه"، وورد أيضاً في الحديث: "إذا أراد الله بأهل بيت خيراً أدخل عليهم باب رفق".

هذا هو الخط الإسلامي: الرفق لا العنف. ومن خلال ذلك، لا بد أن ندرس هذه المسألة دراسة واقعية عملية، لأن الرفق هو الذي يسمح بأن يكون مجتمعنا مجتمع عدل وسلام ومحبة، لأن أغلب المشاكل التي تحدث في مجتمعنا هي نتيجة تعامل أفراده بعضهم مع بعض بأسلوب العنف، بحيث يعنف القوي على الضعيف، وكذلك يعنف الضعيف الذي يمتلك مقداراً من القوة على من هو أضعف منه...

رفض العنف ضد المرأة

قبل أيام، كان "يوم المرأة العالمي"، وشعار هذا اليوم الذي تُقام فيه الحفلات والندوات: "العنف ضد المرأة"، المرأة الزوجة، البنت، الأخت، وليس بعيداً عن ذلك المرأة الموظفة (العاملة).

هناك نوعٌ من التمييز العنصري يمارسه الرجل ضد المرأة بشكل عام، حتى في الدول التي تسمى "متحضرة"، حيث يتمثَّل العنف هناك في جوانب عدة، سواء تمثل ذلك في ضرب المرأة أو تعذيبها أو قتلها أو في عمليات الاغتصاب وبشكل فوق العادة، وقد بدأنا نلمس هذه الظواهر في مجتمعاتنا من خلال البرامج التلفزيونية الإباحية أو غيرها من الوسائل، وقد كشفت بعض الدراسات الصادرة عن الأمم المتحدة، أن أكثر من يُصاب بالأمراض المعدية كالإيدز (فقد المناعة) النساء، وذلك من خلال ما يمارسه الرجل من عنف ضدها وبأشكال متعددة. إن هذا النوع من العنف مرفوض إسلامياً مائة بالمائة.

ففي الحياة الزوجية على سبيل المثال، يقول سبحانه وتعالى: {وعاشروهنّ بالمعروف فإن كرهتموهنّ فعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً}، كذلك يخيّر الله الإنسان الزوج في الحياة الزوجية {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}.

وهناك من الرجال من يحاول أن يهجر المرأة دون أن يطلّقها، وبعضهم من تبذل له المرأة كلّ المهر وربما ما يفوقه ولا يطلقها، والله تعالى يقول: {ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن}، وهو سبحانه يُبيّن لنا أنه لا يجوز للإنسان أن يأخذ مهر زوجته بالإكراه: {وكيف تأخذونه وقد أفضى بعضكم إلى بعض وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً}.

وهناك نوع آخر من أنواع العنف، يتمثل بطرد الزوجة من بيتها، فهذا حرام، لأنه يجب على الرجل أن يسكن زوجته في البيت ما دامت هي في دائرة الزوجية، كما إن الزوجة في المقابل لا يحق لها أن تذهب إلى بيت ذويها، إذا لم يكن هناك خوف على حياتها أو ضغط فوق العادة.

وهناك مسألة ضرب الزوجة، فالإسلام لا يفرِّق في الحرمة بين ضرب الزوجة وبين ضرب من هي من غير المحارم. هذا العنف محرَّم شرعاً. وكذلك يأتي عنف الكلمة عندما يسبُّ الزوج زوجته أو يشتمها، وهو أيضاً محرّم، لأنه لا فرق بينها وبين أيِّ امرأة في المجتمع، فالعقد الزوجي هو كأي عقد آخر، يجب على الزوجين الالتزام به، والعقد إنما يحلّل للزوجين ما كان محرماً عليهما، في العلاقة الخاصة، وكل ما يتصل بها، وهو يلقي على الرجل مسؤولية الإنفاق وما إلى ذلك {ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف وللرجال عليهنّ درجة}.

العقد الزوجي لا يجعل المرأة أو الرجل أحدهما مستعبداً للآخر، وينحصر الأمر في الحقوق التي قضاها العقد لكليهما، حيث أراد الله سبحانه وتعالى للزوجين أن تكون الحياة الزوجية بينهما على أساس المودة والرحمة، {وجعل بينكم مودة ورحمة}، فهما زوجان في الجسد ولكنهما أخوان في الدين.

وكذلك بالنسبة للبنت، فليس للأب ولا للأخ سلطة على البنت، بأن يضربها أو يشتمها، صحيح أنها ابنته، إلا أنها أخته في الإيمان، وإن كان له عليها حق الولاية، إلا أن ذلك لا يعطيه الحق بأن يضربها، إلا في حال التأديب، وإذا ضربها واحمرّ مكان الضرب فعليه أن يدفع الدية.

لا للعنف الاجتماعي باسم الدين

ولذلك، قلنا في عاشوراء، وأصدرنا فتوى تحرّم على الذين ينذرون أولادهم للتطبير هذا الفعل، لأن الله سوف يعاقبهم على ذلك، لأنه ليس للأب ولاية بأن يجرح ابنه، وإن كان يريد بذلك أن يعلّم ابنه حب الحسين، فالحسين(ع) لا يقبل القيام بمثل هذه التصرفات، لأنها تمثّل التخلف، بل يريد منّا السير على خطه ومنهجه. وكما بينّا سابقاً فإن التلفزيونات العالمية تبرز صورة سيئة عن المسلمين تصوِّر رجلاً وبين يديه ولده الذي ضرب على رأسه والدماء تسيل على وجهه، والولد يبكي بكاءً يقطّع نياف القلب، وقد كتبت إحدى الصحف الكندية: "هذا يُعمل باسم الله"، أي إن تعذيب الأطفال بهذه الطريقة الوحشية يرتكب باسم الله، وفي هذا تشويه لصورة الإسلام والمسلمين، والمؤسف أن هذه الحالة تزداد جراء العصبيات.

ومن العنف أيضاً أن يمنع الرجل أخته أو ابنته من التزوّج بالكفؤ وما إلى ذلك، وقد يدفعها جراء هذه الممارسات إلى القيام بـ"الخطيفة"، وساعتئذٍ:

لا يسلم الشرف الرفيع من الأذى         حتـى يُراق على جوانبـه الدم

تحت عنوان أنه يريد أن يغسل العار، وهو من دفعها إلى القيام بمثل ذلك.

وهناك أنواع أخرى من العنف الاجتماعي، حيث يفرض القوي، سواء كان حزباً أو شخصاً أو جماعة أو حركة، قوّته على الناس دون وجه حق، لأنه يريد أن يخضعهم لسلطته، وأن يمنع الناس من ممارسة حريتهم في ما يعتقدون وفي ما يؤمنون به... وهناك نوع من أنواع العنف يمارس باسم الإسلام وباسم الدين.

ولذلك، علينا أن نتثقف بثقافة رسول الله(ص) التي هي ثقافة القرآن، وأن نحاول أن نأخذ بأسباب الرفق وأسباب اللين في حياتنا العائلية، الاجتماعية، السياسية. هذا هو مظهر الحضارة؛ أن نعترف بالآخر ونحترمه، وليس كما هو سائد أن كل من ليس معك فهو كافر، أو زنديق، هذا ضال وذاك مضل وما إلى ذلك. وللأسف، لقد أصبحت ظاهرة متفشية بين مختلف الشرائح وعلى مختلف المستويات، والفتاوى بالقتل مستعرة من كل حدب وصوب، والنبي(ص) يقول: "ألا لا ترجعوا بعدي كفاراً يلعن بعضكم بعضاً ويضرب بعضكم رقاب بعض".

أيها الأحبة، هذا هو الإسلام، فلا يقتصر الإنسان في إسلامه على الصلاة والصيام والحج، بل يجب أن يكون ذلك مقروناً بمعاملة جيدة مع الناس، وهكذا كان رسول الله(ص)، وهذه قيمة صلاة الجمعة وكل الصلوات والمواعظ، أنها تعلم الناس كيف يواجهون قضاياهم الاجتماعية والسياسية والروحية، حتى تكون صلاتنا مدارس، وليست مجرد ركوع وسجود: {وإذا رأوا تجارةً أو لهواً انفضّوا إليها وتركوك قائماً قُل ما عند الله خير من اللهو ومن التجارة والله خير الرازقين}.

الخطبة الثانية

بسم الله الرحمن الرحيم

عباد الله، اتقوا الله، في مواجهة كل القضايا التي تحيط بالواقع الإسلامي كله، وفي مواجهة كل العنف الذي يضغط على المسلمين من قِبَل المستكبرين وحلفائهم وأعوانهم. لنكن أمة واحدة كما أرادها الله سبحانه وتعالى في قوله: {إن الله يحبّ الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص}. فالمرحلة هي أن الاستكبار كلّه والكفر كله برز إلى الإسلام كله وإلى الاستضعاف كله من أجل أن يدمّر قوّتنا ويهيمن على كل مقدراتنا في كل نواحي الحياة، ولذلك لا بد لنا من الوعي لكل خطوات المستكبرين، أن يكون لدينا وعي إسلامي نعرف فيه مسؤوليتنا أمام الله، وأن يكون لنا وعي سياسي نعرف فيه كيف نحدد مواقعنا وكيف نحفظها. تعالوا لنعرف ماذا هناك:

إسرائيل في مأزق الانتفاضة

فلسطين في خضمّ المتاهات السياسية والمشاريع التي تخلط الأوراق في اللعبة الدولية الأمريكية التي تتحرك مع إسرائيل في جدالٍ يربك الواقع الفلسطيني في الداخل والساحة العربية في المنطقة، وتغيب خارطة الطريق عن دائرة الضوء، ويحلّ مكانها المشروع الصهيوني في الانسحاب من غزة ومن مستوطناتها، فهل يتجاوز الفلسطينيون تحديات الفتنة التي يخطِّط لها أكثر من جانب كما تجاوزوها في المراحل السابقة.. ولا سيما مع انطلاق الحديث عن الأمن في غزة؛ هل هو أمن فلسطيني، وكيف يلتقي الفلسطينيون _ سلطةً وانتفاضةً وأحزاباً _ على حدوده ومضمونه؟ وما هو الموقف من سلاح الانتفاضة ومن أمن المقاومة؟ وهل الأمن في غزة، كما تطلب إسرائيل، هو أمن مصري تحذر منه مصر لأنه يمثل أرضاً مزروعة بالأفخاخ والألغام..؟ ثم هل الانسحاب يتحرك في نطاق الدعاية الانتخابية للرئيس بوش على قاعدة التحالف مع السياسة الصهيونية والجماعات اليهودية والمحافظين الجدد في أمريكا؟ ليكون _ إلى جانب ذلك _ عنوان سلام إسرائيلي قد يمهّد لأكثر من تقارب إسرائيلي _ عربي في الحديث الدائر الآن عن بعض الدول العربية التي تريد الدخول إلى الجنة الأمريكية من الباب الإسرائيلي كما هي السياسة الأمريكية؟!

هذا كله في الوقت الذي تتوالى المجازر الصهيونية التي يبشر بها رئيس أركان الجيش الإسرائيلي في الإبادة المنظمة للشعب الفلسطيني، في دائرة الحرب ضد الإرهاب التي تقودها أمريكا ضد الشعب الذي يطالب بحريته من خلال انسحاب قوات الاحتلال من أرضه وتأسيس دولته المستقلة على بعض أرضه، لأن الإدارة الأمريكية ترى في أي صوت أو مقاومة للكيان الصهيوني إرهاباً، حتى لو كان ردَّ فعل للاحتلال، كما تعتبر المحتل ضحية ومدافعاً عن النفس في كل وحشية المجازر التي ترتكب بواسطة السلاح الأمريكي المتطور، والعمل على استكمال تقطيع أوصال الأرض الفلسطينية، لتكون المفاوضات المقبلة _ لو حدثت _ مجرد مناسبة للتوقيع على التنازلات المطلوبة من السلطة الفلسطينية باسم المحافظة على السلام.

إننا نحذّر هذا الشعب الصامد المجاهد الذي صنع للأمة مجد الحرية من جديد، وأعطى لها في كلِّ هذا الظلام السياسي المتحرك في زوايا العجز والخضوع، إشراقةً من الروح التي سوف تفتح آفاقاً عربية وإسلامية جديدة، ونقول له ما قاله الله للصحابة المجاهدين: {ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين* إن يمسسكم قرح فقد مسّ القوم قرح مثله وتلك الأيام نداولها بين الناس}. وعلى هذا الشعب الصابر أن يعرف أن الخطة الموضوعة تتمثل في إخراج إسرائيل من المأزق الصعب الذي وضعتها فيه الانتفاضة، وإبقاء الفلسطينيين في داخل مأزقهم الاحتلالي، ولا بد من أن يضع الخطة الحكيمة الواقعية لمواجهة ذلك كله.

العراق: لا سيادة مع الاحتلال

أما العراق، فلا تزال اللعبة الدولية تضغط على سياسته واقتصاده وأمنه، من خلال سيطرة الاحتلال على مقدّراته، لتنفيذ سياسته في تقرير مصير العراق على صورة مصالحه، حتى في الدستور المؤقت الذي أريد له أن يحكم المستقبل القريب، بكل مواده التي تحتمل كل مادة منها أكثر من علامة استفهام يمكن أن ينفذ منها الذين يصطادون في الماء العكر، وتفسح المجال لبعض الأطراف في البلد في تضخيم حجمها على حساب أطراف أخرى، وتخلق أكثر من مشكلة إسلامية وقومية، وتجعل الذين يملكون التوقيع على الدستور يتّجهون للتوقيع عليه مع الكثير من التحفظات، لأنّ هناك فريقاً قد يوجه الاتهام إليهم بتعطيل مشروع نقل السيادة إلى العراقيين كما يقولون... ثم إن هناك أكثر من ملاحظة، في أن هذه التحفظات قد تعطل حركة الدستور الدائم الذي يضعه الشعب، لأنه يؤكد في مسيرته في الواقع بعض العناوين التي قد لا يملك أحدٌ تغييرها في المستقبل.

إننا نقول للشعب العراقي كله، إنه لا شرعية لأيّة خطوة سياسة أو دستورية في رعاية الاحتلال ورقابته وضغطه، لأننا نريد للعراق الجديد أن يكون حراً مستقلاً سيّداً في تقرير مصيره على جميع المستويات، وأن يراقب اللعبة الدولية والإقليمية في حركته الداخلية، وأن يرصد كل الذين يخططون للفتنة ويصنعون المأساة ويفجّرون الواقع ويثيرون الحساسيات. وكذلك يجب على العراقيين أن يخطّطوا للمستقبل بالتفكير العميق الواعي في خطوات الحاضر، وأن يؤكدوا بالقرار الواحد على زوال الاحتلال الذي جعل لنفسه الوصاية على العراق لأكثر من سنة من دون تحديد موعد نهائي، وأن يعرفوا أنه لا سيادة مع الاحتلال مما ظاهره الرحمة وباطنه من قبله العذاب.

لبنان: الحفاظ على الحريات

أما في لبنان، فإن على الدولة أن تحافظ على حرية الإنسان، ولا سيّما الطلاب، الذين يفكرون بالمستقبل في التعبير عن رأيهم وموقفهم، وأن تواجه الأمور بالحوار لا بالقمع، مهما كانت سلبيات الكلمات، لأن المسألة في هذا البلد هي مواجهة الواقع بالبعد السياسي الذي يوحد البلد بالوفاق على أساس وحدة المواطنية، في اعتبار الحقوق والواجبات للجميع لا لطائفة دون طائفة، أما البعد الأمني فهو لحماية المواطنين، لا لمصادرة حرياتهم الدستورية، ولا سيما أمام الهزات المتواصلة التي يحركها أكثر من مشروع أمريكي للمنطقة كلها من أجل استكمال النفوذ في المنطقة كلها.

ولا بد من رعاية الأمن الاجتماعي عبر توفير فرص العمل للشباب والمتخرجين، مما يمنع الهجرة وإفراغ البلد من الطاقات، ولا بد من الاستماع إلى المطالبين به ومواجهة الأزمات العميقة التي صنعتها سياسة السلطة وبقيت عاجزة عن الخروج منها ومصرة على البقاء في المراكز والمواقع.. إن الذي يحفظ الأمن كله، السياسي والاجتماعي، هو الانفتاح لا الانغلاق، والحرية لا القمع، والمشاركة لا الاستئثار بالسلطة لفريق واحد، حتى لا تبقى صورة البلد أنه بلد يجوع شعبه ويزداد حكامه ثراءً ويغيب وزنه أو دوره، ويتحول الفساد بجميع أنواعه إلى ثقافة تتقدم كل الثقافات.. إن لبنان بلد الحرية، فلا يجوز أن يتحول إلى بلد تقمع فيه الحرية ويتجمع فيه الجوع والفساد والهدر.

اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية