العلامة السيد محمد حسين فضل الله: يؤکّد مساواة المرأة مع الرجل ورفض العنف ضدّ المرأة وختان الإناث

العلامة السيد محمد حسين فضل الله: يؤکّد مساواة المرأة مع الرجل ورفض العنف ضدّ المرأة وختان الإناث

العلامة السيد محمد حسين فضل الله:

يؤکّد مساواة المرأة مع الرجل ورفض العنف ضدّ المرأة وختان الإناث


إلهام لطيفي تحاور سماحة العلامة المرجع، السيد محمد حسين فضل الله، الذي اشتهر بفتاويه المثيرة للجدل في الوسط الشيعي، وخصوصاً في مجال حقوق المرأة، ومنها فتوى حقّ المرأة في الردّ على عنف زوجها ضدّها، التي أفتى بها في العام الماضي في يوم مكافحة العنف ضد المرأة. وبمناسبة "اليوم العالمي للمرأة"، وعن قضايا المرأة، سألت إلهام لطيفي سماحته،

 وهذا نصّ الحوار:


المساواة بين المرأة والرجل

س: ما رأيکم في مقولة المساواة بين المرأة والرجل؛ هل هي مطلقة أم نسبيّة؟

ج: لعلّ من المفيد طرح المسألة من زاوية العناصر الإنسانيّة المشتركة والعناصر التي تتّصل بالاختلاف بين المرأة والرجل من خلال طبيعة الدور الموكل إلى كلٍّ منهما، من دون الدخول في تفاصيل الإجابة عن السؤال بالطريقة الحادّة التي قد تبتعد بالمسألة عن واقعيّتها.

أمّا فيما يخصّ العناصر الإنسانيّة، فنحن نؤمن بأنّ المرأة إنسانٌ كامل الإنسانيّة كما الرجل كامل الإنسانية، وليس هناك من خصوصيّة لأحدهما على الآخر في هذا المجال، بل إنّ الخصوصيّة الإنسانيّة تتبع ما يحقّقه الإنسان، سواء أكان رجلاً أم امرأةً، من معنى إنسانيّته، سواء في العقل والفكر، أو في الممارسة والإنتاج.

ونحن نعتقد أنّ الإسلام أكّد هذا الجانب عندما ساوى بين الذكر والأنثى في العقل والمسؤوليّة والنتائج، كما في قوله تعالى: {أنّي لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض} [آل عمران:195]، وكما قال أيضاً: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [التّوبة:71]، وما إلى ذلك.

وقد حدّثنا القرآن الكريم عن نماذج من النساء تمثّل قدوةً للإنسان كلّه، رجلاً كان أو امرأةً، كما في حديث القرآن عن السيّدة مريم التي عاشت الطّهارة كلّها، فضربها الله لذلك مثلاً للّذين آمنوا من الرجال والنساء، أو كما في حديثه عن امرأة فرعون التي تبرّأت إلى الله من ظُلم زوجها وطغيانه، وكذلك نموذج المرأة التي أظهرت من الحكمة ما تفوّقت به على الرجال، وهي ملكة سبأ.

ولذلك نحن نجد أنّ القاعدة العامّة التي بيّنها القرآن الكريم في عالم الحقوق الزوجيّة، هي التساوي في الحقوق والواجبات بين الزوجين، قال تعالى: {ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف}. نعم، تحدّث القرآن الكريم عن تفضيل الرجل الزوج درجة على المرأة الزوجة، فقال: {وللرجال عليهنّ درجة}[البقرة:228]، وهي ليست لبيان التفضيل الذاتي للرجل من حيث كونه رجلاً، بل لأنّ طبيعة تكوين الرجل تسمح له بحرّية الحركة أكثر مما هو متوافر من حيث التكوين للمرأة، فالرجل لا يكون مثقلاًَ بأعباء الحمل والإرضاع وغيرهما.

إضافةً إلى أنّ الرجل يُفرض عليه أن يتحمّل المسؤوليّة الاقتصاديّة للأسرة، وهذا ما يقتضي منه أن يتحمّل مسؤوليّة إدارة الحياة الزوجيّة، تماماً كأيّ كيانٍ تُفرض فيه الإدارة لمن يملك القدرة على القيام بأعبائها أكثر من الأطراف الآخرين.

على أنّ الزوجيّة لا تقوم على المواد القانونيّة، وإنّما تشكّل هذه الموادّ الحكم في حال الاختلاف والجور؛ وقد تحدّث الله عن عنصرين أساسيّين من أسس الحياة الزوجية، وهما "المودّة" التي يندمج فيها الإنسان عاطفيّاً مع الطرف الآخر بما يجعله لا يقف عند حدود القانون، بل ينطلق بعفويّة الحبّ الذي يفيض بالعطاء للإنسان الآخر إلى حدّ الإيثار، و"الرحمة"، وهي التي يستشعر فيها كلّ طرف نقاط ضعف الآخر، فيتحمّل منه ما قد يصدر عنه في الحالات الضّاغطة.

نعم، تبقى مسألة الإرث، أو بعض الجوانب الماليّة التي تخضع في الإسلام  لطبيعة الأدوار المفروضة على كلّ طرف في إدارة شؤون الحياة؛ فطالما أنّ التشريع يحمّل الرجل مسؤوليّات ماليّة أكثر ممّا يحمّله للمرأة، كان من الطبيعي أن يلحظ تشريع الإرث هذا الجانب، فيُعطي الرجل حصّةً مضاعفةً عن حصة المرأة، إذا كان الورثة ذكوراً وإناثاً. فالمسألة تنطلق بحسب طبيعة الأعباء التي يتحمّلها كلٌ منهما، لا من قبيل تفضيل الذات. والرأي الذي يذهب إليه الشيعة الإماميّة، أن البنت إذا كانت وحدها دون ذكور، أو الأخت كذلك، فإنّها ترث التركة كلّها؛ النصف بالفرض، والنصف الآخر بالقرابة؛ فلا خصوصيّة للذكر عليها من هذه الجهة أيضاً.

مفهوم الحرّية

س: ما هو إطار الحرّية للمرأة؟

ج: حرّية المرأة كحرّية الرجل، تتبع حدود التشريع الذي كلّف الله سبحانه كلاًّ منهما به، والذي يتوجّب على كلٍّ منهما الالتزام به... كما تتبع القيم الأخلاقيّة التي يجعلها الإنسان كحدود لممارسته الإنسانيّة في جوانب مختلفة من الحياة. وبعبارة أخرى: ليس لدينا في العالم حرّية مطلقة من دون قيود، والحرّية تخضع دائماً للفلسفة التي يرتكز عليها الاتجاه الديني أو الفكري أو ما إلى ذلك؛ في طبيعة النظرة التي يختزنها الإنسان في تقييمه لأيّ دين أو فكر أو اتّجاه، ليجعل نفسه في إطار الالتزام تجاهه، أو يعتبر نفسه غير معنيّ به.

يوم المرأة العالمي

س: ما هو رأيكم في اختيار تاريخ الثامن من آذار "يوم المرأة العالمي"؟

ج: إنّ الزمن يكتسب أهمّيته من خلال الخصوصيّات الحضاريّة والإنسانية التي يعكسها الإنسان نفسه، بحيث يكون الزمن إطاراً لهذه الخصوصية. ونحن لا نتعقّد من أيّ تاريخ؛ لأنّ التاريخ ـ في عمقه ـ هو الإنسان في عناصره القيمية التي يؤكّدها في إطار الزمن. ولذلك نحن نعتبر أنفسنا معنيّين بتأكيد قيمنا الحضاريّة تجاه أيّ عنوان حضاري يُطرح له يومٌ للذّكرى، ومنه قضيّة المرأة، حيث أكّد الإسلام الجانب الإنسانيّ للمرأة بما سبق به الكثير من الاتّجاهات الفكرية التي جاءت لاحقاً. أمّا أسباب ابتعاد المسلمين عن تمثّل ذلك الجانب في ممارساتهم، فيعود إلى عوامل عديدة لعبت دوراً في صوغ الذهنيّة العامّة للإنسان في مراحل تاريخيّة معيّنة، سواء الإنسان المسلم أو غير المسلم.

الحقوق والواجبات الزوجية

س: من وجهة نظرکم، ما هي واجبات المرأة تجاه الرجل؟ وما هي حقوقها عليه؟

ج: في الجانب التشريعي، هناك حقّ للمرأة، وهو أن يتحمّل الرجل الزوج القيام بالنفقة عليها في شؤون حياتها بالمعروف، وفي غير ذلك، يتساويان في الحقوق، ومنها حقّ الجنس، حيث على كلّ منهما أن يلبّي رغبة الآخر، إلا إذا كان هناك مانع شرعيّ أو صحيّ أو ما أشبه ذلك، كما يلزم على الرجل تأمين كلّ المستلزمات الحياتيّة للمرأة من ناحية المسكن وشؤونه والأولاد والتربية، حتّى الرضاعة لا تُلزم بها المرأة تشريعاً، وإنّما تُركت لتكون جزءاً من عطاء المرأة على أساس عاطفتها التي تعتبر فيها مسؤولةً عن التربية والرعاية وما إلى ذلك.

والذي نؤكّده في هذه المسألة، هو أنّ الإسلام لا يفصل بين الجانب التشريعي والجانب الإنساني الأخلاقي، فالجانب التشريعي هو أساسٌ لضبط الظلم والجور من أيّ طرف تجاه الآخر، وفي المقابل، هناك الجانب الإنساني الذي يركّز عليه الإسلام، لتفيض الإنسانيّة في عطائها العفويّ، ولتكون المساحة الإنسانيّة في الحياة الزوجية أوسع دائرةً وأكثر فاعليّةً من الموادّ القانونيّة التشريعيّة التي تجعل الحياة الزوجية أشبه بعمل الآلة في المصنع، حيث لا روح فيها ولا حياة.

أمّا في مجال العمل، فإنّ الإسلام يؤكّد حقّ المرأة في ممارسة العمل الإداري والسياسي والاجتماعي العام بحدود الضوابط الشرعية والأخلاقية الإسلامية العامة، انطلاقاً من الحرية التي منحها الإسلام للمرأة، وهذه الحرية تشمل حقّ المرأة في الانتخاب والترشّح للمناصب السياسية والمدنية العامة التي يشترك الرجل والمرأة فيها لخدمة المجتمع، ولكن كل هذه الأمور يجب فيها مراعاة الضوابط الشرعية.

موقف الشّرع من ظاهرة العنف ضدّ المرأة

س: ما هو رأيکم في بعض الظواهر القاسية، كالعنف ضدّ المرأة وختان الإناث؟ وما هو دور العلماء في تقليل مثل هذه الظواهر أو ازديادها؟

ج: يحرم على الإنسان أن يعنف ضدّ أيّ إنسان آخر، ولا سيّما المرأة التي قد تعاني من الضّعف الجسدي والاجتماعي، ما يغري ضعاف النفوس من الرجال بتعنيفها واضطهادها وظلمها. وقد أفتينا أنّ المرأة تملك حقّ الدفاع عن نفسها ولو بضرب الزوج الذي يضربها بغير حقّ عندما لا تجد وسيلةً لردّ عدوانه عليها، تماماً كما يملك أيّ إنسان اعتدي عليه أن يردّ الاعتداء بمثل ما اعتدي عليه، وإن كان لا بدّ للإنسان دائماً من أن يعتبر الرفق هو الأساس، بحيث يوجّه الأمور من خلاله بما لا يؤدّي إلى سلبيّات أكبر، أو بحيث يساهم في تصحيح الواقع، كما قال رسول الله (ص): "إنّ الرفق لم يوضع على شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه"، وقال: "إنّ الله رفيق يحبّ الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف".

أمّا بالنسبة إلى ختان الإناث، فالأدلّة عندنا تؤكّد أنّه ليس بسنّة، وإنّما كان من ضمن العادات الاجتماعيّة لتجمّل المرأة، وقد وجّهت بعض الأحاديث في ذلك الوقت الذين يمارسون ذلك بتوجيهات لا تضرّ بالمرأة. ولذلك، فهو حرامٌ عندما يؤدّي إلى الإضرار بها في شهوتها الجنسيّة، فكيف عندما يؤدّي إلى قتلها. وهذا الأمر ينبغي محاربته، ووضع الضوابط له؛ ومن ضمنها تأكيد أنّه ليس من السنّة في شيء.

س: هل يقاوم الإسلام التقاليد السائدة والظالمة للمرأة في المجتمعات؟

ج: إنّ الإسلام جاء ليؤكّد مبدأ العدل في الحياة، في كلّ دوائرها الاجتماعيّة وحتّى الفرديّة؛ حيث لا يملك الإنسان حرّية أن يظلم نفسه، بأن يدخلها مداخل الضرر أو القتل أو ما إلى ذلك. ولذلك فإنّنا نرى أنّ الإسلام يقف موقفاً مبدئيّاً وحازماً ضدّ الظُلم والجور، ولا سيّما عندما يقع ضدّ الفئات المستضعفة اجتماعيّاً أو تكوينيّاً، كالظلم الموجّه ضدّ المرأة، سواء في إطار البيت الزوجي، أو في العائلة بشكل عام، أو في المجتمع.

حاورته : إلهام لطيفي

مكتب سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله (رض)
التاريخ: 24 ربيع الأول 1430 هـ  الموافق: 21/03/2009 م

العلامة السيد محمد حسين فضل الله:

يؤکّد مساواة المرأة مع الرجل ورفض العنف ضدّ المرأة وختان الإناث


إلهام لطيفي تحاور سماحة العلامة المرجع، السيد محمد حسين فضل الله، الذي اشتهر بفتاويه المثيرة للجدل في الوسط الشيعي، وخصوصاً في مجال حقوق المرأة، ومنها فتوى حقّ المرأة في الردّ على عنف زوجها ضدّها، التي أفتى بها في العام الماضي في يوم مكافحة العنف ضد المرأة. وبمناسبة "اليوم العالمي للمرأة"، وعن قضايا المرأة، سألت إلهام لطيفي سماحته،

 وهذا نصّ الحوار:


المساواة بين المرأة والرجل

س: ما رأيکم في مقولة المساواة بين المرأة والرجل؛ هل هي مطلقة أم نسبيّة؟

ج: لعلّ من المفيد طرح المسألة من زاوية العناصر الإنسانيّة المشتركة والعناصر التي تتّصل بالاختلاف بين المرأة والرجل من خلال طبيعة الدور الموكل إلى كلٍّ منهما، من دون الدخول في تفاصيل الإجابة عن السؤال بالطريقة الحادّة التي قد تبتعد بالمسألة عن واقعيّتها.

أمّا فيما يخصّ العناصر الإنسانيّة، فنحن نؤمن بأنّ المرأة إنسانٌ كامل الإنسانيّة كما الرجل كامل الإنسانية، وليس هناك من خصوصيّة لأحدهما على الآخر في هذا المجال، بل إنّ الخصوصيّة الإنسانيّة تتبع ما يحقّقه الإنسان، سواء أكان رجلاً أم امرأةً، من معنى إنسانيّته، سواء في العقل والفكر، أو في الممارسة والإنتاج.

ونحن نعتقد أنّ الإسلام أكّد هذا الجانب عندما ساوى بين الذكر والأنثى في العقل والمسؤوليّة والنتائج، كما في قوله تعالى: {أنّي لا أضيع عمل عامل منكم من ذكر أو أنثى بعضكم من بعض} [آل عمران:195]، وكما قال أيضاً: {والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [التّوبة:71]، وما إلى ذلك.

وقد حدّثنا القرآن الكريم عن نماذج من النساء تمثّل قدوةً للإنسان كلّه، رجلاً كان أو امرأةً، كما في حديث القرآن عن السيّدة مريم التي عاشت الطّهارة كلّها، فضربها الله لذلك مثلاً للّذين آمنوا من الرجال والنساء، أو كما في حديثه عن امرأة فرعون التي تبرّأت إلى الله من ظُلم زوجها وطغيانه، وكذلك نموذج المرأة التي أظهرت من الحكمة ما تفوّقت به على الرجال، وهي ملكة سبأ.

ولذلك نحن نجد أنّ القاعدة العامّة التي بيّنها القرآن الكريم في عالم الحقوق الزوجيّة، هي التساوي في الحقوق والواجبات بين الزوجين، قال تعالى: {ولهنّ مثل الذي عليهنّ بالمعروف}. نعم، تحدّث القرآن الكريم عن تفضيل الرجل الزوج درجة على المرأة الزوجة، فقال: {وللرجال عليهنّ درجة}[البقرة:228]، وهي ليست لبيان التفضيل الذاتي للرجل من حيث كونه رجلاً، بل لأنّ طبيعة تكوين الرجل تسمح له بحرّية الحركة أكثر مما هو متوافر من حيث التكوين للمرأة، فالرجل لا يكون مثقلاًَ بأعباء الحمل والإرضاع وغيرهما.

إضافةً إلى أنّ الرجل يُفرض عليه أن يتحمّل المسؤوليّة الاقتصاديّة للأسرة، وهذا ما يقتضي منه أن يتحمّل مسؤوليّة إدارة الحياة الزوجيّة، تماماً كأيّ كيانٍ تُفرض فيه الإدارة لمن يملك القدرة على القيام بأعبائها أكثر من الأطراف الآخرين.

على أنّ الزوجيّة لا تقوم على المواد القانونيّة، وإنّما تشكّل هذه الموادّ الحكم في حال الاختلاف والجور؛ وقد تحدّث الله عن عنصرين أساسيّين من أسس الحياة الزوجية، وهما "المودّة" التي يندمج فيها الإنسان عاطفيّاً مع الطرف الآخر بما يجعله لا يقف عند حدود القانون، بل ينطلق بعفويّة الحبّ الذي يفيض بالعطاء للإنسان الآخر إلى حدّ الإيثار، و"الرحمة"، وهي التي يستشعر فيها كلّ طرف نقاط ضعف الآخر، فيتحمّل منه ما قد يصدر عنه في الحالات الضّاغطة.

نعم، تبقى مسألة الإرث، أو بعض الجوانب الماليّة التي تخضع في الإسلام  لطبيعة الأدوار المفروضة على كلّ طرف في إدارة شؤون الحياة؛ فطالما أنّ التشريع يحمّل الرجل مسؤوليّات ماليّة أكثر ممّا يحمّله للمرأة، كان من الطبيعي أن يلحظ تشريع الإرث هذا الجانب، فيُعطي الرجل حصّةً مضاعفةً عن حصة المرأة، إذا كان الورثة ذكوراً وإناثاً. فالمسألة تنطلق بحسب طبيعة الأعباء التي يتحمّلها كلٌ منهما، لا من قبيل تفضيل الذات. والرأي الذي يذهب إليه الشيعة الإماميّة، أن البنت إذا كانت وحدها دون ذكور، أو الأخت كذلك، فإنّها ترث التركة كلّها؛ النصف بالفرض، والنصف الآخر بالقرابة؛ فلا خصوصيّة للذكر عليها من هذه الجهة أيضاً.

مفهوم الحرّية

س: ما هو إطار الحرّية للمرأة؟

ج: حرّية المرأة كحرّية الرجل، تتبع حدود التشريع الذي كلّف الله سبحانه كلاًّ منهما به، والذي يتوجّب على كلٍّ منهما الالتزام به... كما تتبع القيم الأخلاقيّة التي يجعلها الإنسان كحدود لممارسته الإنسانيّة في جوانب مختلفة من الحياة. وبعبارة أخرى: ليس لدينا في العالم حرّية مطلقة من دون قيود، والحرّية تخضع دائماً للفلسفة التي يرتكز عليها الاتجاه الديني أو الفكري أو ما إلى ذلك؛ في طبيعة النظرة التي يختزنها الإنسان في تقييمه لأيّ دين أو فكر أو اتّجاه، ليجعل نفسه في إطار الالتزام تجاهه، أو يعتبر نفسه غير معنيّ به.

يوم المرأة العالمي

س: ما هو رأيكم في اختيار تاريخ الثامن من آذار "يوم المرأة العالمي"؟

ج: إنّ الزمن يكتسب أهمّيته من خلال الخصوصيّات الحضاريّة والإنسانية التي يعكسها الإنسان نفسه، بحيث يكون الزمن إطاراً لهذه الخصوصية. ونحن لا نتعقّد من أيّ تاريخ؛ لأنّ التاريخ ـ في عمقه ـ هو الإنسان في عناصره القيمية التي يؤكّدها في إطار الزمن. ولذلك نحن نعتبر أنفسنا معنيّين بتأكيد قيمنا الحضاريّة تجاه أيّ عنوان حضاري يُطرح له يومٌ للذّكرى، ومنه قضيّة المرأة، حيث أكّد الإسلام الجانب الإنسانيّ للمرأة بما سبق به الكثير من الاتّجاهات الفكرية التي جاءت لاحقاً. أمّا أسباب ابتعاد المسلمين عن تمثّل ذلك الجانب في ممارساتهم، فيعود إلى عوامل عديدة لعبت دوراً في صوغ الذهنيّة العامّة للإنسان في مراحل تاريخيّة معيّنة، سواء الإنسان المسلم أو غير المسلم.

الحقوق والواجبات الزوجية

س: من وجهة نظرکم، ما هي واجبات المرأة تجاه الرجل؟ وما هي حقوقها عليه؟

ج: في الجانب التشريعي، هناك حقّ للمرأة، وهو أن يتحمّل الرجل الزوج القيام بالنفقة عليها في شؤون حياتها بالمعروف، وفي غير ذلك، يتساويان في الحقوق، ومنها حقّ الجنس، حيث على كلّ منهما أن يلبّي رغبة الآخر، إلا إذا كان هناك مانع شرعيّ أو صحيّ أو ما أشبه ذلك، كما يلزم على الرجل تأمين كلّ المستلزمات الحياتيّة للمرأة من ناحية المسكن وشؤونه والأولاد والتربية، حتّى الرضاعة لا تُلزم بها المرأة تشريعاً، وإنّما تُركت لتكون جزءاً من عطاء المرأة على أساس عاطفتها التي تعتبر فيها مسؤولةً عن التربية والرعاية وما إلى ذلك.

والذي نؤكّده في هذه المسألة، هو أنّ الإسلام لا يفصل بين الجانب التشريعي والجانب الإنساني الأخلاقي، فالجانب التشريعي هو أساسٌ لضبط الظلم والجور من أيّ طرف تجاه الآخر، وفي المقابل، هناك الجانب الإنساني الذي يركّز عليه الإسلام، لتفيض الإنسانيّة في عطائها العفويّ، ولتكون المساحة الإنسانيّة في الحياة الزوجية أوسع دائرةً وأكثر فاعليّةً من الموادّ القانونيّة التشريعيّة التي تجعل الحياة الزوجية أشبه بعمل الآلة في المصنع، حيث لا روح فيها ولا حياة.

أمّا في مجال العمل، فإنّ الإسلام يؤكّد حقّ المرأة في ممارسة العمل الإداري والسياسي والاجتماعي العام بحدود الضوابط الشرعية والأخلاقية الإسلامية العامة، انطلاقاً من الحرية التي منحها الإسلام للمرأة، وهذه الحرية تشمل حقّ المرأة في الانتخاب والترشّح للمناصب السياسية والمدنية العامة التي يشترك الرجل والمرأة فيها لخدمة المجتمع، ولكن كل هذه الأمور يجب فيها مراعاة الضوابط الشرعية.

موقف الشّرع من ظاهرة العنف ضدّ المرأة

س: ما هو رأيکم في بعض الظواهر القاسية، كالعنف ضدّ المرأة وختان الإناث؟ وما هو دور العلماء في تقليل مثل هذه الظواهر أو ازديادها؟

ج: يحرم على الإنسان أن يعنف ضدّ أيّ إنسان آخر، ولا سيّما المرأة التي قد تعاني من الضّعف الجسدي والاجتماعي، ما يغري ضعاف النفوس من الرجال بتعنيفها واضطهادها وظلمها. وقد أفتينا أنّ المرأة تملك حقّ الدفاع عن نفسها ولو بضرب الزوج الذي يضربها بغير حقّ عندما لا تجد وسيلةً لردّ عدوانه عليها، تماماً كما يملك أيّ إنسان اعتدي عليه أن يردّ الاعتداء بمثل ما اعتدي عليه، وإن كان لا بدّ للإنسان دائماً من أن يعتبر الرفق هو الأساس، بحيث يوجّه الأمور من خلاله بما لا يؤدّي إلى سلبيّات أكبر، أو بحيث يساهم في تصحيح الواقع، كما قال رسول الله (ص): "إنّ الرفق لم يوضع على شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه"، وقال: "إنّ الله رفيق يحبّ الرفق ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف".

أمّا بالنسبة إلى ختان الإناث، فالأدلّة عندنا تؤكّد أنّه ليس بسنّة، وإنّما كان من ضمن العادات الاجتماعيّة لتجمّل المرأة، وقد وجّهت بعض الأحاديث في ذلك الوقت الذين يمارسون ذلك بتوجيهات لا تضرّ بالمرأة. ولذلك، فهو حرامٌ عندما يؤدّي إلى الإضرار بها في شهوتها الجنسيّة، فكيف عندما يؤدّي إلى قتلها. وهذا الأمر ينبغي محاربته، ووضع الضوابط له؛ ومن ضمنها تأكيد أنّه ليس من السنّة في شيء.

س: هل يقاوم الإسلام التقاليد السائدة والظالمة للمرأة في المجتمعات؟

ج: إنّ الإسلام جاء ليؤكّد مبدأ العدل في الحياة، في كلّ دوائرها الاجتماعيّة وحتّى الفرديّة؛ حيث لا يملك الإنسان حرّية أن يظلم نفسه، بأن يدخلها مداخل الضرر أو القتل أو ما إلى ذلك. ولذلك فإنّنا نرى أنّ الإسلام يقف موقفاً مبدئيّاً وحازماً ضدّ الظُلم والجور، ولا سيّما عندما يقع ضدّ الفئات المستضعفة اجتماعيّاً أو تكوينيّاً، كالظلم الموجّه ضدّ المرأة، سواء في إطار البيت الزوجي، أو في العائلة بشكل عام، أو في المجتمع.

حاورته : إلهام لطيفي

مكتب سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله (رض)
التاريخ: 24 ربيع الأول 1430 هـ  الموافق: 21/03/2009 م
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية