السيد فضل الله لصحيفة "الدار" الكويتية: تصوير الأنبياء والأولياء الصالحين شرعي إذا توفّرت الشروط الموضوعية

السيد فضل الله لصحيفة "الدار" الكويتية: تصوير الأنبياء والأولياء الصالحين شرعي إذا توفّرت الشروط الموضوعية

السيد فضل الله لصحيفة "الدار" الكويتية:

تصوير الأنبياء والأولياء الصالحين شرعي إذا توفّرت الشروط الموضوعية


أجرت صحيفة "الدار" الكويتية حواراً مع سماحة العلامة المرجع، السيد محمد حسين فضل الله، سألته فيه عن الموقف الشرعيّ من تجسيد شخصية الأنبياء والأولياء في العمل الفني، وفي حال كان مسموحاً به، ما هي الحدود والشروط لمثل هذا العمل؟

 وهذا نصّ الحوار:


الموقف الشرعي من تجسيد شخصية الأنبياء والأولياء:

س: ما هي الحدود المسموح بها في تجسيد شخصيّة الأنبياء والأولياء الصالحين في العمل الفني، بحسب فتواكم الشرعية؟

ج: هناك مسألة مهمّة لها علاقة بالأعمال الفنية التي تحاول تجسيد شخصية الأنبياء والأولياء والأئمة الذين يملكون قداسةً روحيةً وامتداداً رسالياً عند المؤمنين بهم بشكل عام، وهي أن العمل الفني الذي يقدَّم، سواء كان مسرحياً أو سينمائياً أو ما أشبه ذلك، لا يراعي العناصر الروحية والقدسية التي تقدِّم الشخصية المقدّسة بالمستوى الذي يعيشه الناس في نظرتهم إليها.

ولذلك، فقد تمثّل الحركة الفنية في ضروراتها التصويرية أو الحوارية نوعاً من الإساءة إلى هذه الشخصيات، لأنها تسقط الهالة القدسية التي يعيشها الناس في نظرتهم إليها، وخصوصاً أنّ هناك قضايا تنطلق من خلال التاريخ قد تختلف الروايات حولها، بحيث يمكن أن يكون هناك رواية مشوَّهة من بين هذه الروايات، فيكون الأخذ بها في العمل الفنّيّ تشويهاً للشّخصيّة المقدّسة وإساءةً إليها.

فمثلاً، نجد بعض الروايات التي تتحدث عن جلسة حوارية بين الإمام الحسين(ع) وعمر بن سعد، وأن الإمام الحسين قال له في بعض الطروحات التي طرحها: «أذهب إلى يزيد فأضع يدي في يده»، لكن في رواية أخرى موثوقة تقول إنّ الحسين لم يطرح هذه المسألة، بل ثار على يزيد، لأنّه لا يمتلك الشرعية، ولإنقاذ الواقع الإسلامي من حكمه ومن طريقته الفاسدة في إدارة شؤون الدولة الإسلامية.

وهناك أيضاً بعض الجوانب التي قد تختلط فيها الحقيقة مع الأسطورة، ولا سيّما في القضايا التي تتّصل بحركة الدعوة الإسلامية التي انطلق بها الرسول(ص)، وفي الأحداث التي أعقبت وفاة النبي في زمن الخلفاء. فالتاريخ يختلف في تقويمه لهذه المرحلة، سواء في مرحلة النبي(ص)، أو في مرحلة الخلافة.

لذلك، فإننا نعتقد أن إدخال هذا الواقع التاريخي المرتبك المضطرب، إضافةً إلى الجانب القدسي للشخصية، لا ينسجم مع إخضاعه لعمل مسرحي كيفما كان. هذا في الوقت الذي نقول بضرورة إدخال بعض القضايا، كقضيّة كربلاء، في الخطوط الفنية كالمسرح وغيره، لكن هذا يحتاج إلى أشخاص مبدعين من الدرجة الأولى، يمتلكون القدرة الفنية بحيث يستطيعون أن يجسّدوا هذه الشخصية، بغضّ النظر عمّا إذا كان العمل الفني يفرض تقديم الصورة أو لا يفرضه.

وربما كان تقديم الصورة بما نملكه من قدرات فنية في العالم العربي، لا يتلاءم مع كل الهالة التي تمثل القداسة. بينما نجد في الغرب أن الرسامين المبدعين عندما يصوّرون السيد المسيح(ع)، يجعلوننا نشعر بأننا نتمثّل كل المعاني الروحية والوداعة والصفاء والانفتاح الإنساني في صورته، بينما نجد أن الذين يقدّمون صوراً للنبي والإمام عليّ والحسن الحسين والسيدة الزهراء(ع)، يقدّمون شكلاً يسيء إليهم، لأن شكل الصورة قد يعطي تصوّراً مشوّهاً عن الشخصية المصوّرة.

لذلك، فإنّ تحفّظنا على المسألة قد ينطلق من هذه الأمور، وعندما يصار إلى ترتيبها، عندها نقول إنه لا مشكلة في التصوير والتجسيد.

س: نقل عنكم في الآونة الأخيرة أنكم ذكرتم أنها مكروهة؟

ج: لا أظنّ أني تحدثت بهذه الطريقة.

ضوابط في شخصيّة الممثل والمخرج:

س: إذاً برأيكم التصوير ممكن، لكن مع ضوابط مشدّدة تصل إلى حدّ التحفظ؟

ج: نعم، نحن نعتقد أنّ التصوير، سواء كان تصويراً حياً، كتمثيل واقعة عاشوراء، كما يحدث في مدينة النبطية (في جنوب لبنان) أو غيرها، أو كان عملاً فنياً مصوّراً، يمكن أن يسيء إلى الشخصية المقدّسة من خلال طبيعة من يمثل هذه الشخصيات، وذلك بسبب ما يحمله الناس عن هذا الممثل من انطباعاتٍ قد لا تتّفق مع صورة الإمام الحسين(ع)، لأنهم عندما ينظرون إلى هذا الشخص الذي يجسّد شخصية الإمام، فإنهم يستحضرون كلّ خلفياته الشخصيّة، فتختلط خلفيات هذا الشخص مع الصورة الحسينية، ما يترك تأثيره السلبي في هذا المجال. فالتحفّظ ليس في المبدأ، بل في التطبيق.

س: وهل نحن ما زلنا غير قادرين على التطبيق؟

ج: أنا أتصوّر أنّ ما نملكه من قدراتٍ فنية غير كافٍ لتقديم هذه المسألة بالطريقة التي تحفظ فيها كلّ العناصر الإنسانية والروحية والدينية والحركية للشخصية المراد تجسيدها، لأن هذه المسألة تحتاج إلى ثقافة لدى الفنان الذي يقدّم هذا العمل، وأن يعيش في عناصر ثقافته وشخصيته من الداخل والخارج الأجواء التي تحيط بهذه الشخصية.

س: هل هناك مشكلة تجاه الشّخص الّذي يمثّل الشخصية؟

ج: أنا أرى أنّ المشكلة هي في الشخص المخرج والشخص الممثّل، لأنّ أكثر الذين يتكلّمون بشكل سلبي ضدّ الذين يمثلون شخصيّات الأنبياء والصحابة الكبار، لا ينطلقون من نصٍّ شرعيّ صريح، بل إنهم يستفيدون أنّ هذا النوع من إظهار الصورة وتحريكها في عالم المسرح وفي العمل الروائي قد يسيء إلى عناصر هذه الشخصية، باعتبار أنّ الذي يخرج الصورة، لا يملك معرفة كلّ العناصر التي تختزنها الشخصية المقدّسة أو الأجواء المتنوّعة التي تحيط بحركة هذه الشخصية، سواء كانت شخصيةً نبويةً أو إماميةً أو صحابيةً.

س: ولكن هناك تجربة سابقة في فيلم الرسالة؟

ج: إنّ الشّخص الذي يخرج هذا الفيلم كان يملك قدرةً إبداعيةً، بحيث إنك لا ترصد الكثير من السلبيات في ما قدّمه.

شروط تجسيد الشخصيات المقدّسة:

س: لكن ألا تعتقدون أنّ تقديم عاشوراء إلى الشّخص الآخر ـ والمقصود هنا الأجانب ـ يقتضي مسرحتها؟

ج: أنا أصدرت فتوى لمن استفتاني من الغرب، ومن هولندا تحديداً، فقلت إنه يجوز ذلك لكن بشروط، وفي مقدّم هذه الشّروط، أن يكون العمل الروائي مجسِّدا لكلّ العناصر الروحية والإنسانية والحركية والجهادية التي يتمثّل فيها هذا الشخص، بحيث لا يكون ما يبرزه العمل الروائي متنافياً مع الطبيعة المقدّسة للشخصية التي يتمّ تجسيدها. إن الفرق بين الشخصيات الدينية والشخصيات غير الدينية، هو أن مسألة القداسة في الشخصية الدينية أصيلة في التصوّر العام الذي ينفتح عليه ويختزنه أتباع هذه الشخصية والمؤمنون بها.

س: تتحدّث عن شروط موضوعية لتجسيد الشخصيات، فكيف يمكن، والحال هذه، تطبيق دعوتكم إلى مسرحة عاشوراء؟

ج: قلت إنّه ينبغي التركيز على الجانب الإبداعي الفني الذي يحاول أن يقتنص حتى اللّمحة، والانفتاحات الابتهالية التي تتمثّل في انفتاح الشخصية على الله وعلى النّاس وعلى الجانب الحركيّ، وخصوصاً في مسألة عاشوراء، فوضع الشّخص الذي يمثّل شخصيّة يزيد إلى جانب من يمثل شخصية الحسين، قد يمثّل نوعاً من أنواع الإهانة للشخصية الحسينية، باعتبار أن الذين يقومون بهذا العمل الروائي ويقدّمونه على أساس هذه المقارنة، قد يتحرّكون في تصوير المشهد من الخارج من دون أن يتصوّروه من الداخل، ومن دون أن ينقلوا كلّ الجوّ الّذي عاشه الإمام الحسين(ع) في كلّ تاريخه، ومنذ طفولته الأولى، مع النبي(ص) ومع أبيه وأمه السيدة الزهراء، ثم مع أخيه الإمام الحسن ، والتعقيدات التي عاشها في قضية الصلح مع معاوية، وما واجهه من مشاكل كبرى أحاطت بالواقع الإسلامي آنذاك. لهذا قد يصعب تجسيده من قبل أيّ شخص إن لم يكن يملك ثقافةً موسوعيةً تحاول أن تستوحي الشّخصية من الداخل كما تستوحيه من الخارج. لذلك، فإنّ القضية تشتمل على الكثير من التعقيدات التي يصعب مواجهتها بالطريقة التي تكون أمينةً على صدقية الصورة.

س: في حال توفّرت الشروط الموضوعية، هل تجيزون دفع الأموال الشرعية لذلك؟

ج: إذا كان هناك عمل يجسّد حركة كربلاء في شخصيّاتها وفي المأساة التي تمثّلت فيها، وفي الظّروف التي أحاطت بها، وفي المسيرة التي تحرّكت من أجل التّحضير لها، وفي تعميق المسألة في ما كان الإمام الحسين(ع) يحضِّر له وينفتح عليه، إضافةً إلى دراسة كل العناصر التي كانت موجودةً، سواء العناصر الشابّة أو العناصر التي كانت تتحرك في بدايات الطفولة، وكذلك العناصر النسائية، وفي مقدّمها السيدة زينب، عندما تكون المسألة جامعةً لكلّ العناصر، فإنّنا نرى أنّ صرف الأموال الشرعية في هذا مبرئ للذمّة شرعاً.

مكتب سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله (رض)
التاريخ: 09 ربيع الأول 1430 هـ  الموافق: 06/03/2009 م

السيد فضل الله لصحيفة "الدار" الكويتية:

تصوير الأنبياء والأولياء الصالحين شرعي إذا توفّرت الشروط الموضوعية


أجرت صحيفة "الدار" الكويتية حواراً مع سماحة العلامة المرجع، السيد محمد حسين فضل الله، سألته فيه عن الموقف الشرعيّ من تجسيد شخصية الأنبياء والأولياء في العمل الفني، وفي حال كان مسموحاً به، ما هي الحدود والشروط لمثل هذا العمل؟

 وهذا نصّ الحوار:


الموقف الشرعي من تجسيد شخصية الأنبياء والأولياء:

س: ما هي الحدود المسموح بها في تجسيد شخصيّة الأنبياء والأولياء الصالحين في العمل الفني، بحسب فتواكم الشرعية؟

ج: هناك مسألة مهمّة لها علاقة بالأعمال الفنية التي تحاول تجسيد شخصية الأنبياء والأولياء والأئمة الذين يملكون قداسةً روحيةً وامتداداً رسالياً عند المؤمنين بهم بشكل عام، وهي أن العمل الفني الذي يقدَّم، سواء كان مسرحياً أو سينمائياً أو ما أشبه ذلك، لا يراعي العناصر الروحية والقدسية التي تقدِّم الشخصية المقدّسة بالمستوى الذي يعيشه الناس في نظرتهم إليها.

ولذلك، فقد تمثّل الحركة الفنية في ضروراتها التصويرية أو الحوارية نوعاً من الإساءة إلى هذه الشخصيات، لأنها تسقط الهالة القدسية التي يعيشها الناس في نظرتهم إليها، وخصوصاً أنّ هناك قضايا تنطلق من خلال التاريخ قد تختلف الروايات حولها، بحيث يمكن أن يكون هناك رواية مشوَّهة من بين هذه الروايات، فيكون الأخذ بها في العمل الفنّيّ تشويهاً للشّخصيّة المقدّسة وإساءةً إليها.

فمثلاً، نجد بعض الروايات التي تتحدث عن جلسة حوارية بين الإمام الحسين(ع) وعمر بن سعد، وأن الإمام الحسين قال له في بعض الطروحات التي طرحها: «أذهب إلى يزيد فأضع يدي في يده»، لكن في رواية أخرى موثوقة تقول إنّ الحسين لم يطرح هذه المسألة، بل ثار على يزيد، لأنّه لا يمتلك الشرعية، ولإنقاذ الواقع الإسلامي من حكمه ومن طريقته الفاسدة في إدارة شؤون الدولة الإسلامية.

وهناك أيضاً بعض الجوانب التي قد تختلط فيها الحقيقة مع الأسطورة، ولا سيّما في القضايا التي تتّصل بحركة الدعوة الإسلامية التي انطلق بها الرسول(ص)، وفي الأحداث التي أعقبت وفاة النبي في زمن الخلفاء. فالتاريخ يختلف في تقويمه لهذه المرحلة، سواء في مرحلة النبي(ص)، أو في مرحلة الخلافة.

لذلك، فإننا نعتقد أن إدخال هذا الواقع التاريخي المرتبك المضطرب، إضافةً إلى الجانب القدسي للشخصية، لا ينسجم مع إخضاعه لعمل مسرحي كيفما كان. هذا في الوقت الذي نقول بضرورة إدخال بعض القضايا، كقضيّة كربلاء، في الخطوط الفنية كالمسرح وغيره، لكن هذا يحتاج إلى أشخاص مبدعين من الدرجة الأولى، يمتلكون القدرة الفنية بحيث يستطيعون أن يجسّدوا هذه الشخصية، بغضّ النظر عمّا إذا كان العمل الفني يفرض تقديم الصورة أو لا يفرضه.

وربما كان تقديم الصورة بما نملكه من قدرات فنية في العالم العربي، لا يتلاءم مع كل الهالة التي تمثل القداسة. بينما نجد في الغرب أن الرسامين المبدعين عندما يصوّرون السيد المسيح(ع)، يجعلوننا نشعر بأننا نتمثّل كل المعاني الروحية والوداعة والصفاء والانفتاح الإنساني في صورته، بينما نجد أن الذين يقدّمون صوراً للنبي والإمام عليّ والحسن الحسين والسيدة الزهراء(ع)، يقدّمون شكلاً يسيء إليهم، لأن شكل الصورة قد يعطي تصوّراً مشوّهاً عن الشخصية المصوّرة.

لذلك، فإنّ تحفّظنا على المسألة قد ينطلق من هذه الأمور، وعندما يصار إلى ترتيبها، عندها نقول إنه لا مشكلة في التصوير والتجسيد.

س: نقل عنكم في الآونة الأخيرة أنكم ذكرتم أنها مكروهة؟

ج: لا أظنّ أني تحدثت بهذه الطريقة.

ضوابط في شخصيّة الممثل والمخرج:

س: إذاً برأيكم التصوير ممكن، لكن مع ضوابط مشدّدة تصل إلى حدّ التحفظ؟

ج: نعم، نحن نعتقد أنّ التصوير، سواء كان تصويراً حياً، كتمثيل واقعة عاشوراء، كما يحدث في مدينة النبطية (في جنوب لبنان) أو غيرها، أو كان عملاً فنياً مصوّراً، يمكن أن يسيء إلى الشخصية المقدّسة من خلال طبيعة من يمثل هذه الشخصيات، وذلك بسبب ما يحمله الناس عن هذا الممثل من انطباعاتٍ قد لا تتّفق مع صورة الإمام الحسين(ع)، لأنهم عندما ينظرون إلى هذا الشخص الذي يجسّد شخصية الإمام، فإنهم يستحضرون كلّ خلفياته الشخصيّة، فتختلط خلفيات هذا الشخص مع الصورة الحسينية، ما يترك تأثيره السلبي في هذا المجال. فالتحفّظ ليس في المبدأ، بل في التطبيق.

س: وهل نحن ما زلنا غير قادرين على التطبيق؟

ج: أنا أتصوّر أنّ ما نملكه من قدراتٍ فنية غير كافٍ لتقديم هذه المسألة بالطريقة التي تحفظ فيها كلّ العناصر الإنسانية والروحية والدينية والحركية للشخصية المراد تجسيدها، لأن هذه المسألة تحتاج إلى ثقافة لدى الفنان الذي يقدّم هذا العمل، وأن يعيش في عناصر ثقافته وشخصيته من الداخل والخارج الأجواء التي تحيط بهذه الشخصية.

س: هل هناك مشكلة تجاه الشّخص الّذي يمثّل الشخصية؟

ج: أنا أرى أنّ المشكلة هي في الشخص المخرج والشخص الممثّل، لأنّ أكثر الذين يتكلّمون بشكل سلبي ضدّ الذين يمثلون شخصيّات الأنبياء والصحابة الكبار، لا ينطلقون من نصٍّ شرعيّ صريح، بل إنهم يستفيدون أنّ هذا النوع من إظهار الصورة وتحريكها في عالم المسرح وفي العمل الروائي قد يسيء إلى عناصر هذه الشخصية، باعتبار أنّ الذي يخرج الصورة، لا يملك معرفة كلّ العناصر التي تختزنها الشخصية المقدّسة أو الأجواء المتنوّعة التي تحيط بحركة هذه الشخصية، سواء كانت شخصيةً نبويةً أو إماميةً أو صحابيةً.

س: ولكن هناك تجربة سابقة في فيلم الرسالة؟

ج: إنّ الشّخص الذي يخرج هذا الفيلم كان يملك قدرةً إبداعيةً، بحيث إنك لا ترصد الكثير من السلبيات في ما قدّمه.

شروط تجسيد الشخصيات المقدّسة:

س: لكن ألا تعتقدون أنّ تقديم عاشوراء إلى الشّخص الآخر ـ والمقصود هنا الأجانب ـ يقتضي مسرحتها؟

ج: أنا أصدرت فتوى لمن استفتاني من الغرب، ومن هولندا تحديداً، فقلت إنه يجوز ذلك لكن بشروط، وفي مقدّم هذه الشّروط، أن يكون العمل الروائي مجسِّدا لكلّ العناصر الروحية والإنسانية والحركية والجهادية التي يتمثّل فيها هذا الشخص، بحيث لا يكون ما يبرزه العمل الروائي متنافياً مع الطبيعة المقدّسة للشخصية التي يتمّ تجسيدها. إن الفرق بين الشخصيات الدينية والشخصيات غير الدينية، هو أن مسألة القداسة في الشخصية الدينية أصيلة في التصوّر العام الذي ينفتح عليه ويختزنه أتباع هذه الشخصية والمؤمنون بها.

س: تتحدّث عن شروط موضوعية لتجسيد الشخصيات، فكيف يمكن، والحال هذه، تطبيق دعوتكم إلى مسرحة عاشوراء؟

ج: قلت إنّه ينبغي التركيز على الجانب الإبداعي الفني الذي يحاول أن يقتنص حتى اللّمحة، والانفتاحات الابتهالية التي تتمثّل في انفتاح الشخصية على الله وعلى النّاس وعلى الجانب الحركيّ، وخصوصاً في مسألة عاشوراء، فوضع الشّخص الذي يمثّل شخصيّة يزيد إلى جانب من يمثل شخصية الحسين، قد يمثّل نوعاً من أنواع الإهانة للشخصية الحسينية، باعتبار أن الذين يقومون بهذا العمل الروائي ويقدّمونه على أساس هذه المقارنة، قد يتحرّكون في تصوير المشهد من الخارج من دون أن يتصوّروه من الداخل، ومن دون أن ينقلوا كلّ الجوّ الّذي عاشه الإمام الحسين(ع) في كلّ تاريخه، ومنذ طفولته الأولى، مع النبي(ص) ومع أبيه وأمه السيدة الزهراء، ثم مع أخيه الإمام الحسن ، والتعقيدات التي عاشها في قضية الصلح مع معاوية، وما واجهه من مشاكل كبرى أحاطت بالواقع الإسلامي آنذاك. لهذا قد يصعب تجسيده من قبل أيّ شخص إن لم يكن يملك ثقافةً موسوعيةً تحاول أن تستوحي الشّخصية من الداخل كما تستوحيه من الخارج. لذلك، فإنّ القضية تشتمل على الكثير من التعقيدات التي يصعب مواجهتها بالطريقة التي تكون أمينةً على صدقية الصورة.

س: في حال توفّرت الشروط الموضوعية، هل تجيزون دفع الأموال الشرعية لذلك؟

ج: إذا كان هناك عمل يجسّد حركة كربلاء في شخصيّاتها وفي المأساة التي تمثّلت فيها، وفي الظّروف التي أحاطت بها، وفي المسيرة التي تحرّكت من أجل التّحضير لها، وفي تعميق المسألة في ما كان الإمام الحسين(ع) يحضِّر له وينفتح عليه، إضافةً إلى دراسة كل العناصر التي كانت موجودةً، سواء العناصر الشابّة أو العناصر التي كانت تتحرك في بدايات الطفولة، وكذلك العناصر النسائية، وفي مقدّمها السيدة زينب، عندما تكون المسألة جامعةً لكلّ العناصر، فإنّنا نرى أنّ صرف الأموال الشرعية في هذا مبرئ للذمّة شرعاً.

مكتب سماحة آية الله العظمى السيد محمد حسين فضل الله (رض)
التاريخ: 09 ربيع الأول 1430 هـ  الموافق: 06/03/2009 م
اقرأ المزيد
نسخ الآية نُسِخ!
تفسير الآية